د أسامة شاهين : تسونامي تجاري عالمي… والأسواق الناشئة على خط الانطلاق

في الفترة الاخيرة تبنت الولايات المتحدة الأمريكية مجموعة من الإجراءات الحمائية لحماية صناعاتها المحلية وتصحيح ما تعتبره اختلالاً في موازينها التجارية. وقد تجسدت هذه السياسات في فرض تعريفات جمركية مرتفعة على الواردات من عدد من الدول، بما في ذلك اقتصادات ناشئة ومتقدمة. وتستند هذه التدابير إلى رؤية اقتصادية تهدف إلى تقليص العجز التجاري الأمريكي ودفع عجلة الصناعة المحلية، غير أن لها تداعيات عميقة على الاقتصاد العالمي، خصوصاً على الأسواق الناشئة التي تعتمد بدرجة كبيرة على التصدير إلى الولايات المتحدة. وفي المقابل، تفتح هذه السياسات فرصاً جديدة أمام هذه الأسواق لتعزيز صادراتها إلى أسواق بديلة، وجذب الاستثمارات المحلية بفضل تكاليف الإنتاج المنخفضة والتعريفات الجمركية المحدودة التي تفرضها الولايات المتحدة على بعض المنتجات القادمة منها.
اعتمدت الإدارة الأمريكية، في أبريل 2025، سياسة جمركية جديدة تقوم على فرض تعريفات لا تقل عن 10% على جميع الواردات العالمية، مع فرض نسب أعلى بكثير على دول معينة. فعلى سبيل المثال، تواجه الصين نسبة تعريفات تصل إلى 54%، بينما فرضت نسب تقارب 49% على دول جنوب شرق آسيا مثل فيتنام ولاوس وكمبوديا. وقد لاقت هذه السياسة انتقادات واسعة من خبراء الاقتصاد، إذ اعتُبرت طريقة حسابها للتعريفات بسيطة ومضللة، كونها تعتمد فقط على قسمة العجز التجاري مع كل دولة على قيمة وارداتها، ومن ثم يُخفض الناتج إلى النصف لاحتساب نسبة التعريفة. تتجاهل هذه المنهجية عوامل اقتصادية معقدة مثل ديناميكيات العملة ونمط الاستهلاك داخل السوق الأمريكية، ما يؤدي إلى فرض تعريفات عالية على دول فقيرة ذات علاقات تجارية محدودة مع الولايات المتحدة.
أثرت هذه الإجراءات بشكل كبير على الاقتصادات الناشئة، التي غالباً ما تكون معتمدة على تصدير منتجاتها إلى الولايات المتحدة. أدت التعريفات إلى تعطيل سلاسل التوريد العالمية، وتسببت في تراجع النمو الاقتصادي في بعض الدول، وهددت استقرار فرص العمل في قطاعات تصديرية حيوية. وحذر ألبرت بارك، كبير الاقتصاديين في البنك الآسيوي للتنمية، من أن هذه التعريفات الشاملة قد تُبطئ النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة والعالم بشكل ملحوظ، مع تعرض أسواق آسيا الشرقية، على وجه الخصوص، لأضرار مباشرة.
ولعل من أبرز الأمثلة على التداعيات السلبية، ما يحدث في مملكة ليسوتو، وهي دولة صغيرة في أفريقيا كانت تستفيد من الوصول المعفى من الرسوم الجمركية إلى الأسواق الأمريكية ضمن قانون النمو والفرص في أفريقيا (AGOA). ورغم أن صادراتها السنوية إلى أمريكا تبلغ حوالي 230 مليون دولار، إلا أنها تواجه اليوم تعريفة جمركية تبلغ 97%، بسبب ضعف وارداتها من السلع الأمريكية، ما يهدد قطاع النسيج الذي يُعد من أعمدة اقتصادها الوطني.
ومع ذلك، فإن هذه التحديات تحمل في طياتها فرصاً واعدة للأسواق الناشئة. أولاً، يمكن لهذه الدول تنويع شركائها التجاريين، بحيث تقلل من اعتمادها على السوق الأمريكية. فالصين، مثلاً، بدأت بتوجيه اقتصادها نحو تعزيز الطلب الداخلي وتوسيع شراكاتها التجارية خارج دائرة الولايات المتحدة. ثانياً، يمكن تعزيز الاتفاقيات التجارية الإقليمية، بما يساهم في تقوية التبادل بين دول الجنوب العالمي. كما يمكن أن تمثل هذه الأزمة حافزاً لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، خاصة في قطاعات الإنتاج منخفض التكلفة، من خلال تقديم حوافز للمستثمرين وتحسين بيئة الأعمال.
إضافة إلى ذلك، تستطيع الأسواق الناشئة التركيز على القطاعات التي تتمتع فيها بميزة نسبية من حيث انخفاض تكاليف الإنتاج أو وفرة الموارد الطبيعية. فمثلاً، بإمكان دول غنية بالمواد الخام أن تستثمر في صناعات تحويلية لزيادة القيمة المضافة قبل التصدير، مما يُقلل من اعتمادها على بيع المواد الخام الخام. كما توجد فرص مهمة في بعض القطاعات التي ما زالت تواجه تعريفات منخفضة في الولايات المتحدة، مثل المنتجات الزراعية والمنسوجات في بعض الدول، والتي يمكن استغلالها لزيادة الصادرات.
يمكن ايضا لمصر أن تستفيد بشكل كبير من الوضع الحالي، خاصة في ظل التعريفات الجمركية البسيطة التي تفرضها الولايات المتحدة عليها وهي ١٠٪ مقارنةً بدول أخرى تواجه تعريفة مرتفعة، مثل الصين ودول جنوب شرق آسيا. هذه الميزة تتيح لمصر فرصة استراتيجية للدخول بقوة إلى الأسواق الأمريكية من خلال تقديم منتجات تنافسية بأسعار أقل، ما يفتح المجال أمامها لتوسيع قاعدة صادراتها إلى الولايات المتحدة، لا سيما في القطاعات التي تتمتع فيها بميزة نسبية مثل الصناعات النسيجية، والصناعات الغذائية، والمنتجات الكيماوية الخفيفة.
من الناحية الاقتصادية، يُمكن لمصر أن توظف هذه الفرصة لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاع التصنيع المحلي، مستفيدةً من موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وانخفاض تكاليف الإنتاج، والاتفاقيات التجارية التي تتيح لها النفاذ التفضيلي إلى الأسواق العالمية. إذ يمكن للمستثمرين الأجانب، خصوصاً من الدول التي فُرضت عليها تعريفات مرتفعة، أن ينقلوا خطوط إنتاجهم إلى مصر لتصنيع منتجاتهم بها، ومن ثم تصديرها إلى الولايات المتحدة بتكلفة أقل وبشروط تجارية أكثر مرونة. وفي نفس الإطار، تبرز أهمية بروتوكول المناطق الصناعية المؤهلة (QIZ) بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية، والذي يتيح للمنتجات المصرية—خصوصاً من القطاع النسيجي وبعض المنتجات الغذائية—النفاذ إلى السوق الأمريكي دون رسوم جمركية، شريطة أن تحتوي على نسبة محددة من المكونات الإمريكية ، ويُعد هذا البروتوكول أحد الأدوات التجارية الفعالة التي تميز مصر عن غيرها من الدول التي تواجه تعريفات جمركية مرتفعة، إذ يوفر للمنتجات المصرية ميزة تنافسية في الأسواق الأمريكية من حيث السعر وسهولة الوصول، لا سيما في ظل ارتفاع التعريفات على صادرات دول آسيوية منافسة. ويُشكل هذا الاتفاق فرصة لمضاعفة الصادرات المصرية، وتعزيز دور مصر كمركز إقليمي للتصنيع والتصدير
ولتحقيق ذلك، يجب على الدولة المصرية العمل على تعزيز بيئة الأعمال من خلال تبسيط الإجراءات الجمركية والإدارية، وتوفير الحوافز الضريبية، وتحسين البنية التحتية الصناعية في مناطق مثل محور قناة السويس أو المنطقة الاقتصادية الخاصة، التي تتمتع بإطار قانوني وتنظيمي ملائم لجذب الاستثمارات. كما أن الاستثمار في تطوير الكفاءات والمهارات العمالية سيكون ضرورياً لتحسين جودة المنتجات وزيادة القدرة التنافسية في الأسواق الدولية. وفي ظل التحولات الجارية في سلاسل الإمداد العالمية، فإن مصر مرشحة لأن تكون محطة إقليمية للتصنيع وإعادة التصدير، خاصة إذا نجحت في تسويق نفسها كمركز صناعي بديل مستقر ومنفتح في بيئة مضطربة تجارياً. وبهذا، يمكن لمصر أن تستغل الفرصة لتعزيز مكانتها الاقتصادية وزيادة اندماجها في النظام التجاري العالمي من خلال بوابة السوق الأمريكية.
في الختام، إن السياسات الحمائية الأمريكية الراهنة تشكل تحدياً جدياً للأسواق الناشئة، لكنها تتيح أيضاً فرصة استراتيجية لإعادة رسم مساراتها الاقتصادية، وتنويع صادراتها، وتحقيق استقلال نسبي عن التقلبات في السياسات التجارية للدول الكبرى. وبالتركيز على القطاعات ذات القيمة المضافة، وتعزيز التعاون الإقليمي، وتهيئة بيئة استثمارية جاذبة، تستطيع هذه الأسواق تحويل التحديات إلى فرص حقيقية للنمو والاستدامة.



