عودة تحالف «جيميني» إلى قناة السويس تختبر مرونة شبكة الشحن العالمية

تثير عودة تحالف «جيميني» (Gemini Cooperation) مؤخرًا إلى قناة السويس تساؤلات تتجاوز مجرد تقليص مسافات الإبحار، أبرزها حجم المرونة التي يمكن أن تكتسبها شركتا «ميرسك» (Maersk) و«هاباغ لويد» (Hapag-Lloyd) خلال إعادة بناء شبكتهما، التي كانت تعتمد في الأصل على طريق رأس الرجاء الصالح.
وأوضح تقرير صادر عن منصة «كونتينر للشحن»، نُشر اليوم الثلاثاء، أن قرار الشريكين بتحويل مسار الخدمة الرابطة بين الهند وأوروبا (IOS/ME1) عبر البحر الأحمر، والذي أُعلن في 2 نوفمبر، يضيف رابطًا جديدًا إلى مجموعة متنامية من خدمات «جيميني» التي تستخدم هذا الممر الأقصر. غير أن المكاسب التشغيلية لا تتوقف على اختيار المسار وحده.
وفي الوقت نفسه، تعمل الشركتان على تعديل دورات الخدمات والروابط مع مراكز التجميع (المحاور اللوجستية)، لتصبح العودة إلى قناة السويس اختبارًا لمدى قدرة تقليص زمن الرحلات البحرية على بناء شبكة أكثر كفاءة ومرونة، دون استحداث نقاط ضعف جديدة في حال تغيرت الظروف الأمنية بالمنطقة.
قصر الرحلات لا يعني بالضرورة تقليل عدد السفن
ذكر التقرير أن أبرز المكاسب المباشرة المحتملة لاستخدام قناة السويس تتمثل في تقليل مسافة الإبحار مقارنة بالمسار البديل حول جنوب أفريقيا. وبالنسبة إلى خدمة حاويات أسبوعية، قد تتيح الرحلات الأقصر خفض عدد السفن اللازمة للحفاظ على انتظام الخدمة.
وتبدو المعادلة واضحة؛ فالخدمة الأسبوعية التي تستغرق رحلتها ذهابًا وإيابًا 70 يومًا تحتاج إلى نحو 10 سفن، بافتراض انتظام مواعيد المغادرة وعدم الحاجة إلى فترات تشغيلية إضافية. أما إذا تراجعت المدة إلى 63 يومًا، فيمكن نظريًا الحفاظ على الوتيرة نفسها باستخدام 9 سفن فقط.
ويظل هذا الحساب مثالًا توضيحيًا، وليس توقعًا خاصًا بخدمة (IOS/ME1)، إذ لم تكشف «ميرسك» و«هاباغ لويد» عن المدة المعدلة للرحلة، أو عدد السفن المخصصة حاليًا لهذا الخط، أو أي خطط لتقليص الأسطول المستخدم، وفقًا للتقرير.
وتتمتع الشركتان بعدة خيارات للتعامل مع السعة المتاحة؛ إذ يمكن توجيه السفن الفائضة إلى مسارات تجارية أخرى، أو الاحتفاظ بها لتعزيز القدرة على استعادة انتظام الجداول الزمنية، أو تعديل سرعات الإبحار وفترات التوقف بالموانئ. ويترتب على كل بديل نتائج تجارية مختلفة.
ومن ثم، يوفر المسار الأقصر هامشًا محتملًا للمناورة، لكنه لا يحسم الطريقة التي سيختار الشريكان توظيف هذه المرونة من خلالها.
تغير دور مراكز التجميع في شبكة «جيميني»
تتضح انعكاسات هذه الخطوة على الشبكة عند وضع خدمة (IOS/ME1) في إطار عملية إعادة الهيكلة الأوسع التي ينفذها تحالف «جيميني».
ففي 19 أكتوبر، أعلنت «ميرسك» تحسينات إضافية على شبكتها، تضمنت إطلاق خدمة جديدة (AE18)، وإدخال تعديلات على الخطوط (AE2) و(AE11) و(AE19).
ولم تقتصر هذه الخطوات على تغيير المسارات؛ إذ من المقرر أن يستبدل الخط الملاحي (AE2) محطة طنجة، خلال رحلاته المتجهة غربًا، بميناء روتردام. كما سيضيف الخط (AE11) محطة صلالة إلى مساره غربًا، ويستبدل طنجة بميناء بورسعيد. أما الخدمة الجديدة (AE18)، فستغطي بعض المحطات في طنجة والجزيرة الخضراء، التي كانت تخدمها خطوط أخرى سابقًا.
وتكتسب هذه التعديلات أهمية بالنسبة إلى (IOS/ME1)، الذي يحتفظ مساره المحدّث بميناءي صلالة وطنجة. وبذلك، يواصل الميناءان أداء دور محوري في الربط بين الهند وأوروبا، رغم تغير طريقة توظيف خدمات «جيميني» الأخرى لهما.
ولفت التقرير إلى أن هذه الإعلانات تعكس إعادة توزيع وظائف الشبكة، وليس تحولًا شاملًا نحو موانئ بعينها أو ابتعادًا عنها.
فعلى سبيل المثال، تحصل صلالة على دور إضافي ضمن الخدمة (AE11)، مع استمرار وجودها في مسار (IOS/ME1). وفي المقابل، تتراجع زيارات السفن إلى طنجة عبر الخطين (AE2) و(AE11)، لكنها تظل ضمن الشبكة من خلال (IOS/ME1) والخدمة الجديدة (AE18).
ولا تعني هذه التحركات بالضرورة ارتفاع أو انخفاض حجم البضائع في أي من الميناءين؛ فأنماط زيارات السفن وحدها لا تكفي لتحديد حجم المناولة، أو كميات إعادة الشحن (transshipment)، أو التغيرات في الحصة السوقية. لكنها توضح آلية إعادة تنظيم الروابط بين الخطوط الرئيسية والموانئ المحورية لدى الشريكين.
وتتمثل المسألة التشغيلية الأساسية في مدى قدرة الهيكل المحدّث على تحسين الربط، دون زيادة الاعتماد على نوافذ نقل محددة.
أهمية الخدمات الرابطة
يعتمد نموذج «جيميني»، القائم على الموانئ المحورية، بدرجة كبيرة على تنسيق حركة السفن الرئيسية مع الخدمات الرابطة. ورغم أن المرور عبر قناة السويس قد يقلص الوقت المستغرق في البحر، فإن هذه الميزة ربما تتلاشى إذا فاتت الشحنات مواعيد الربط أو واجهت تأخيرات في ميناء التحويل.
ويبرز هنا الفارق بين «زمن عبور السفينة» و«زمن تسليم البضاعة من نقطة الانطلاق إلى الوجهة النهائية».
فقد تصل السفينة إلى الميناء المحوري مبكرًا، دون أن ينعكس ذلك على تجربة العميل إذا ظلت مواعيد الرحلات اللاحقة، عبر الخدمات الرابطة، دون تغيير. وفي المقابل، قد يؤدي تقليص زمن الإبحار، حتى وإن كان محدودًا، إلى مكاسب تجارية أكبر إذا أتاح للحاويات اللحاق برحلة مغادرة مبكرة.
وتشير التعديلات التي أُعلنت خلال أكتوبر إلى أن «ميرسك» و«هاباغ لويد» تعملان على إعادة هيكلة هذه الروابط بالتوازي مع قرارات تغيير مسارات السفن. ومع ذلك، لا تتوافر حاليًا بيانات كافية لتحديد حجم التحسينات الناتجة عن هذه الخطوات بدقة.
وأوضح التقرير أن قياس الأثر التجاري يتطلب الاطلاع على جداول محدثة لنقاط الانطلاق والوصول، ومواعيد الربط بين الخدمات، فضلًا عن الأداء الفعلي للخطوط بعد بدء تنفيذ التغييرات. كما تظل تكلفة الإبقاء على الخيارات البديلة متاحة، إلى جانب المخاطر الأمنية، من أبرز مصادر عدم اليقين خلال المرحلة الانتقالية.
وأعلنت الشركتان أن أي قرارات إضافية بشأن المسارات ستظل مرتبطة بالظروف السائدة في البحر الأحمر. وتؤكد أحدث بياناتهما بشأن خدمة (ME1) أن سلامة السفن والأطقم والشحنات تمثل المعيار الأساسي الذي ستستند إليه التعديلات المستقبلية.
ويفرض ذلك تحديًا عمليًا أمام تخطيط الشبكة؛ فالخدمة المصممة للمرور عبر قناة السويس تختلف من حيث مدة الرحلة ومتطلبات الجدولة عن نظيرتها التي تسلك طريق رأس الرجاء الصالح.
وفي حال فرضت الظروف الأمنية تغيير المسار مجددًا، فقد تضطر شركات النقل إلى استيعاب رحلات أطول، أو تعديل جداول المغادرة، أو إضافة سفن للحفاظ على وتيرة الخدمة.
وقد يسهل الاحتفاظ بسعة تشغيلية احتياطية عملية التحول بين المسارات، لكنه سيحد أيضًا من مكاسب الكفاءة الفورية التي توفرها الرحلات الأقصر. وعلى الجانب الآخر، قد يؤدي تحرير هذه السعة وتحسين استخدامها إلى زيادة الكفاءة، لكنه يقلص هامش الاستجابة لأي انقطاع محتمل.
وبحسب التقرير، لا ينحصر التساؤل في مدى قصر الرحلة عبر قناة السويس، بل يمتد إلى قدرة الشبكة على العمل بكفاءة من خلالها، مع الاحتفاظ بالجاهزية اللازمة للتعامل مع أي اضطرابات جديدة.
ما الذي سيُظهر نجاح هذه الاستراتيجية؟
ينبغي قياس نتائج المرحلة المقبلة وفقًا للأداء التشغيلي الفعلي، وليس بعدد الرحلات المعلنة عبر قناة السويس.
ويتمثل المقياس الأول في أوقات العبور المسجلة ومدى الالتزام بالجداول الزمنية لخدمة (IOS/ME1). أما الثاني، فيتعلق بجودة الربط عبر ميناءي صلالة وطنجة، بالتزامن مع دخول التعديلات الأوسع على شبكة «جيميني»، التي تديرها «ميرسك» و«هاباغ لويد»، حيز التنفيذ. ويتمثل المؤشر الثالث في أي دلائل على إعادة توزيع السفن أو تغيير وتيرة الخدمات.
وقد توفر التغيرات في طاقات الموانئ سياقًا إضافيًا لتقييم النتائج، لكن ينبغي تحليلها بالتوازي مع التطورات التي تؤثر على شركات النقل والتجارة الأخرى.
ويرى التقرير أن التغيير الأخير في المسار يعزز المؤشرات على توجه «جيميني» تدريجيًا نحو شبكة ترتكز على قناة السويس، لكنه لا يثبت اكتمال هذا التحول، أو تحقيق الشريكين بالفعل وفورات ملموسة في السعة التشغيلية.
وبالنسبة إلى «ميرسك» و«هاباغ لويد»، يظل الاختبار الأهم خلال المرحلة المقبلة هو مدى إمكانية الجمع بين المسارات الأقصر، وإعادة توزيع وظائف الموانئ المحورية، وخطط الطوارئ، دون الإخلال بمستوى الموثوقية الذي صُمم تحالف «جيميني» لتوفيره.



