مصطفى بطيشة: الصناعة المصرية من 2025 إلى 2026.. هل يصبح 2027 عام التوسع والتصدير؟

نائب الرئيس التنفيذي – Zanana Group
عندما نقارن ما شهدناه خلال 2025 بما نراه حتى الآن في 2026، فالصورة في الأنشطة الصناعية التي نعمل بها ونتابعها تبدو أفضل بوضوح.
من أرض المصنع، هناك تحسن في الطلب والتشغيل وحركة السوق، وفي بعض الحالات ارتفع حجم الأعمال بصورة كبيرة مقارنة بالعام السابق، بالتوازي مع دخول ماكينات جديدة وزيادة الاستفادة من الطاقة الإنتاجية.
والصورة الكلية تتحرك في الاتجاه نفسه، ولكن يجب التفريق هنا بين العام الميلادي 2026 وبين العام المالي 2025/2026.
فالاقتصاد المصري حقق معدل نمو حقيقي بلغ 5.1% خلال العام المالي 2025/2026 مقابل 4.4% في العام المالي السابق، فيما استحوذت قطاعات الصناعة والاتصالات والتجارة مجتمعة على نحو 48% من هذا النمو، وفق بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية. وهو مؤشر على تحسن القاعدة الإنتاجية داخل الاقتصاد.
لكن السؤال الأهم بالنسبة لي ليس فقط: هل تحسن 2026 مقارنة بـ2025؟
السؤال الحقيقي هو:
هل نستطيع تحويل هذا التحسن إلى دورة نمو صناعي وتصديري تستمر خلال 2027 وما بعدها؟
2026 شهد حتى الآن تحسنًا داخل المصنع
خلال 2025 كانت الشركات لا تزال تتعامل مع آثار سنوات صعبة من اضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكلفة الخامات والشحن والاستيراد، وتقلبات الأسواق العالمية.
أما خلال 2026، فمن واقع الأنشطة التي نعمل بها ونتابعها، أصبح مستوى التشغيل والطلب أفضل بصورة ملحوظة.
السوق المحلي نفسه تحسن.
وأحد أسباب ذلك أن الاستيراد لم يعد في كل الحالات بنفس السهولة أو السرعة أو التكلفة التي كان عليها في فترات سابقة، وهو ما أعطى المنتج المحلي مساحة أكبر عندما تكون الصناعة المصرية قادرة على تقديم البديل المناسب.
لكن هنا يجب أن نفرق بين أمرين.
صعوبة الاستيراد في حد ذاتها ليست نجاحًا للصناعة.
إذا لم يكن لدينا منتج محلي بالجودة والكمية والسعر المناسب، فقد تتحول صعوبة الاستيراد إلى نقص أو ارتفاع في الأسعار.
أما إذا كانت هناك طاقة إنتاجية محلية تستطيع الاستجابة، فإن جزءًا من الطلب الذي كان يذهب إلى الخارج يبدأ في التحول إلى المصنع المصري.
وهنا تبدأ القيمة الحقيقية.
عندما يتحسن التشغيل.. يتغير قرار الاستثمار
ارتفاع الطلب لا يظهر فقط في رقم المبيعات.
يظهر في طريقة تفكير الإدارة داخل المصنع.
هل نضيف ماكينة جديدة؟
هل نرفع الطاقة الإنتاجية؟
هل ندخل منتجًا جديدًا؟
هل نحتاج إلى تطوير خط قائم؟
هل السوق أصبح قادرًا على استيعاب توسع جديد؟
وهذا ما رأيناه بالفعل خلال 2026 في بعض الأنشطة التي نعمل بها، حيث دخلت معدات وماكينات جديدة مع تحسن التشغيل.
لأن قرار الاستثمار الصناعي مرتبط في النهاية بدرجة الثقة في قدرة المصنع على تشغيل الأصل الجديد وتحقيق عائد منه.
وتبدأ هنا حلقة مهمة:
طلب أقوى → استغلال أفضل للطاقة → توزيع التكاليف على إنتاج أكبر → قدرة أعلى على الاستثمار → طاقة إنتاجية أكبر.
وإذا استمرت هذه الحلقة بصورة سليمة، فإن النمو لا يظهر فقط في المبيعات، وإنما في القدرة الصناعية نفسها.
لكن التكلفة ما زالت التحدي
تحسن الطلب لا يعني أن الضغوط اختفت.
الخامات، والشحن، والاستيراد، والنقل، والطاقة، والتمويل، والمصروفات التشغيلية كلها ما زالت تدخل في تكلفة المنتج.
ولهذا فإن نمو المبيعات وحده لا يكفي للحكم على قوة المصنع.
قد ترتفع المبيعات بصورة كبيرة، لكن إذا ارتفعت تكلفة الإنتاج معها، فلن يتحسن هامش الربح بنفس النسبة.
ومن هنا أرى أن تقييم الأداء الصناعي يحتاج إلى أكثر من سؤال:
كم ننتج؟
وكم نبيع؟
لكن أيضًا:
ما تكلفة الوحدة؟ وما هامش الربح؟ وما نسبة استغلال الطاقة؟ وهل الأرباح والسيولة تسمحان بالاستثمار التالي؟
لأن المصنع القوي ليس المصنع الذي يبيع أكثر فقط.
هو المصنع الذي يستطيع أن يحول زيادة الطلب إلى إنتاج وربحية واستثمار جديد.
الصادرات تتحسن.. لكن المهم ماذا يحدث داخل المصنع
الصادرات المصرية غير البترولية سجلت خلال 2025 نحو 48.57 مليار دولار مقابل 41.51 مليار دولار في 2024، بزيادة 17%.
وخلال النصف الأول من 2026، ارتفعت الصادرات السلعية غير البترولية إلى نحو 25.5 مليار دولار.
لكن الرقم الأكثر دلالة عند النظر إلى القاعدة الإنتاجية هو أن الصادرات غير البترولية باستبعاد الذهب بلغت نحو 23.3 مليار دولار، بنمو 12% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
هذه أرقام إيجابية.
لكن من واقع الصناعة، أرى أن هناك سؤالًا لا يقل أهمية عن قيمة الصادرات:
هل نمو الصادرات يعني أن المصدر نفسه أصبح أكثر ربحية؟
ليس بالضرورة.
التصدير يعني أنك تنافس العالم
المصنع الذي يبيع محليًا يستطيع أحيانًا تعديل السعر بصورة تدريجية مع تغير التكلفة.
أما المصدر، فالمعادلة أصعب.
العميل الخارجي لا ينظر إلى مشكلات الخامة أو الشحن أو التمويل داخل مصر باعتبارها أسبابًا كافية لرفع السعر.
هو يقارن بين مورد مصري وموردين من دول أخرى.
إذا زادت تكلفتك، تستطيع أن ترفع السعر.
لكن إذا كان أمام العميل منافس آخر يقدم السعر والجودة وموعد التسليم بصورة أفضل، فقد تفقده.
ولهذا فإن المصدر في كثير من الحالات يضطر إلى تحمل جزء من زيادة التكلفة داخل هامش الربح بدلًا من تحميل العميل كل الزيادة.
وده معناه أن زيادة الصادرات يمكن أن تحدث في الوقت نفسه الذي يظل فيه هامش بعض المصانع تحت ضغط.
ومن هنا فإن نجاح الصادرات لا يجب أن يُقاس فقط بقيمة الشحنات التي خرجت.
يجب أن نسأل أيضًا:
هل المصدر يستطيع الاستمرار؟
هل يحقق هامشًا يسمح له بإعادة الاستثمار؟
هل يستطيع تمويل الطلبية التالية؟
وهل يعود العميل له مرة أخرى؟
التصدير الحقيقي ليس شحنة تخرج من الميناء؛ التصدير الحقيقي هو عميل يعود بطلبية جديدة.
لماذا أصبحت مصر في موقع أفضل للتصدير؟
العالم خلال السنوات الأخيرة أصبح أكثر تقلبًا.
صراعات جيوسياسية، واضطرابات في الممرات الملاحية، وتغير في سلاسل التوريد، وشركات تبحث عن قواعد إنتاج أقرب إلى أسواقها.
وهذا أعاد قيمة الجغرافيا مرة أخرى إلى القرار الصناعي.
ومصر لديها موقع يسمح لها بالاستفادة من هذا التحول.
قرب من أوروبا.
وصول إلى أفريقيا والشرق الأوسط.
موقع على أحد أهم مسارات التجارة العالمية.
سوق محلي كبير.
وقاعدة صناعية يمكن توسيعها.
ولهذا فإن فرصة نمو الصادرات لا ترتبط فقط بأن تنتج المصانع المصرية الحالية أكثر.
بل أيضًا بأن تأتي استثمارات جديدة إلى مصر بهدف التصنيع من داخلها والتصدير إلى الخارج.
وفي هذه الحالة يصبح الاستثمار الأجنبي جزءًا من استراتيجية التصدير نفسها.
وتظهر بيانات الهيئة العامة للاستثمار أن العام المالي 2025/2026 شهد تأسيس 50,607 شركات، إلى جانب توسعات في 1,159 شركة، كما سجلت صادرات المناطق الحرة نحو 26.7 مليار دولار خلال العام المالي نفسه.
هذه الأرقام لا تعني أن كل هذه الشركات صناعية أو أن كل الاستثمارات تتجه للتصدير، لكنها تعكس حجم الحركة الاستثمارية والقاعدة التي يمكن البناء عليها.
المورد المحلي أصبح جزءًا أكبر من المعادلة
هناك تغير آخر نلمسه داخل الصناعة.
أصبح التعامل مع موردين ومستوردين محليين أكثر أهمية في بعض الحالات.
حتى عندما تكون الخامة أو السلعة في الأصل مستوردة، فإن وجود مورد داخل مصر يمنح المصنع أحيانًا مرونة أكبر في الكمية، والتوقيت، والمخزون، والتمويل، بدلًا من أن يتحمل كل مصنع عملية الاستيراد منفردًا.
وده ليس نهاية الطريق.
الأفضل أن تتطور بعض هذه الأنشطة تدريجيًا.
من مستورد محلي.
إلى موزع.
ثم — عندما يسمح حجم السوق والتكنولوجيا والتكلفة — إلى تصنيع محلي للمكون نفسه.
وهنا تتحول زيادة الطلب إلى تعميق للصناعة وليس مجرد زيادة في حركة الاستيراد والتوزيع.
2027 يمكن أن تكون سنة توسع.. لكن بشرط
خطة الدولة للعام المالي 2026/2027 تستهدف استثمارات كلية بنحو 3.7 تريليون جنيه، مع وصول حصة الاستثمارات الخاصة إلى نحو 59% بما يعادل 2.2 تريليون جنيه.
وده اتجاه مهم للصناعة.
لأن النمو الصناعي الحقيقي يحتاج إلى رأس مال جديد يدخل في:
ماكينات.
خطوط إنتاج.
تكنولوجيا.
مصانع جديدة.
موردين.
وطاقات تصديرية.
ومن وجهة نظري، 2027 لديها فرصة أن تكون سنة نمو أكبر للصناعة والتصدير، خصوصًا مع استمرار دخول استثمارات جديدة وبحث الشركات العالمية عن مواقع تصنيع قريبة من أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط.
لكن التفاؤل لا يجب أن يتحول إلى افتراض أن الطريق سيظل مستقرًا.
الصناعة تعلمت أن الخطة الواحدة لا تكفي
السنوات الماضية قدمت درسًا واضحًا.
كورونا.
الحروب.
أزمات الشحن.
اضطراب أسعار الطاقة.
تعطل سلاسل التوريد.
كل أزمة كانت تبدأ في مكان ما بالعالم، ثم تصل في النهاية إلى المصنع.
إما في صورة خامة متأخرة.
أو تكلفة شحن أعلى.
أو سعر جديد.
أو مورد غير قادر على التسليم.
ولذلك فإن دخول 2027 بخطة تشغيل واحدة فقط أصبح مخاطرة.
المصنع يحتاج سيناريوهات.
ماذا يحدث إذا ارتفعت الخامة؟
ماذا نفعل إذا تعطلت شحنة؟
هل لدينا مورد بديل؟
هل لدينا مخزون آمن للمكونات الحرجة؟
هل لدينا أكثر من سوق تصديري؟
هل السيولة تسمح لنا بتحمل شهرين أو ثلاثة من الاضطراب؟
إدارة السيناريوهات لم تعد تمرينًا نظريًا؛ أصبحت جزءًا من الإدارة اليومية للصناعة.
الفرصة موجودة.. لكن النجاح يُقاس بالاستمرار
2026 شهد حتى الآن، في الأنشطة التي نعمل بها ونتابعها، تحسنًا واضحًا مقارنة بـ2025 من حيث الطلب والتشغيل والاستثمار في طاقات جديدة.
والأرقام العامة تشير أيضًا إلى نمو اقتصادي وصادرات أعلى.
لكن الاختبار الحقيقي يبدأ من هنا.
هل نستطيع تحويل هذا التحسن إلى طاقات إنتاجية جديدة، ومكون محلي أكبر، وموردين أقوى، واستثمارات أكثر، وصادرات مستدامة بهوامش تسمح للمصنع بالنمو؟
إذا حدث ذلك، فإن 2027 يمكن أن تكون مرحلة جديدة من التوسع الصناعي والتصديري.
لكن بشرط أن نستفيد من الفرصة الحالية وفي الوقت نفسه نستعد للصدمة القادمة.
فالصناعة القوية لا تُبنى على افتراض أن الأزمات انتهت؛ بل على القدرة على النمو عندما تكون الظروف جيدة، والاستمرار عندما تتغير.
مصطفى بطيشة
نائب الرئيس التنفيذي – Zanana Group



