عودة سفن الحاويات إلى قناة السويس تحقق فوائد محدودة مقارنة بالمخاطر الأمنية

تعود خطوط الشحن إلى استخدام قناة السويس بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً، وذلك على الرغم من محدودية الفائدة الاقتصادية المباشرة مقارنة بمسار رأس الرجاء الصالح، واستمرار المخاطر الأمنية في البحر الأحمر.
ووفقاً لتحليل أجرته شركة “دروري” (Drewry) لأبحاث الشحن، فإن سفينة حاويات بسعة 24 ألف حاوية مكافئة(TEU) تعمل على خط آسيا-أوروبا عبر قناة السويس في كلا الاتجاهين، ستحقق وفراً يبلغ حوالي مليون دولار أمريكي لكل رحلة ذهاب وعودة (أي الرحلة من ميناء الأصل والعودة إليه)، وهو ما يعادل نحو 43 دولاراً لكل مكان مخصص للحاوية (slot).
غير أن هذا التقدير لا يأخذ في الحسبان أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب أو الخصومات المحتملة التي قد تقدمها هيئة قناة السويس؛ وهما عاملان من شأنهما تغيير الحسابات بشكل جوهري، وفقا للتقرير.
وتُقدّر “دروري” أنه بالنسبة لسفينة حاويات تبلغ قيمتها 225 مليون دولار، فإن قسط التأمين ضد مخاطر الحرب -بنسبة تعادل 0.3% من قيمة هيكل السفينة- سيضيف حوالي 1.35 مليون دولار إلى تكلفة رحلة الذهاب والعودة التي تتضمن عبورين عبر منطقة عالية المخاطر.
أما إذا بلغت نسبة القسط 1%، فسترتفع التكلفة الإضافية إلى 4.5 مليون دولار، مما يرجح كفة الجدوى الاقتصادية بوضوح لصالح مسار رأس الرجاء الصالح.
وفي المقابل، فإن خصماً بنسبة 15% على رسوم القناة سيمثل وفراً يبلغ حوالي 365 ألف دولار مقابل عبورين لسفينة بسعة 24 ألف حاوية مكافئة.
وتشير الشركة الاستشارية إلى أنه تم رصد خصومات تصل إلى 25%، وهو ما من شأنه أن يرفع حجم الوفر المحتمل إلى حوالي 600 ألف دولار. الوقت والسعة: عوامل رئيسية
وترى “دروري” أن التفسير الأقوى لعودة خطوط الشحن إلى مسار قناة السويس لا يكمن في توفير الوقود أو رسوم العبور في رحلة واحدة بعينها، بل في قرار استراتيجي أوسع نطاقاً يتعلق بالسعة الاستيعابية، ومعدلات استغلال الأسطول، وأوقات العبور، وتنافسية الشبكة.
ويضيف المسار عبر “رأس الرجاء الصالح” آلاف الأميال البحرية، وما يقرب من أسبوع أو أكثر من وقت الإبحار في كل اتجاه (اعتماداً على نوع الخدمة). وتتيح العودة إلى قناة السويس للسفن ذات السعة الكبيرة إتمام عدد أكبر من الرحلات السنوية، مع تقليل عدد السفن اللازمة للحفاظ على وتيرة الخدمات الأسبوعية في الوقت ذاته.
وتؤكد مؤسسة “دروري” (Drewry) أن “الوقت يحمل قيمة كبيرة لشركات الشحن”، مشيرة إلى أن فترات الإبحار الأقصر تعزز كفاءة استخدام الأصول وتحسّن الجدوى الاقتصادية للخدمة.
ووفقا لدروري، فإن موثوقية الجداول الزمنية تُعد عاملاً آخر مهماً؛ إذ يزيد المسار الأطول حول أفريقيا من احتمالية التعرض لظروف جوية سيئة ويرفع فرص حدوث تأخيرات.
وفي هذا السياق، قد تقبل شركات الشحن بتركيز المخاطر عند مضيق باب المندب مقابل تخفيف مخاطر تشغيلية متعددة مرتبطة بالمسار الأطول بكثير، وفقا للتقرير .
يسلط التحليل الضوء أيضاً على ديناميكيات المنافسة؛ فإذا عادت إحدى شركات الشحن إلى قناة السويس بينما واصلت الشركات المنافسة استخدام مسار رأس الرجاء الصالح، فسيمكنها تقديم أوقات عبور أسرع بكثير وبأسعار مماثلة، مما يضغط على المنافسين ليحذو حذوها.
وتتوقع “دروري” الآن أن العودة إلى قناة السويس قد بدأت في شهري يوليو وأغسطس 2026، وأن أحجام العبور قد تصل إلى 80% من المستويات المسجلة قبل تحويل المسار (أي قبل الانتقال إلى طريق رأس الرجاء الصالح) بحلول فبراير 2027، مع بقائها عند هذا المستوى طوال فترة التوقعات.
ومع ذلك، تحذر الشركة الاستشارية من أن هذه العودة لا تعني عودة الأوضاع الأمنية إلى طبيعتها بالكامل؛ فالتهديد الذي دفع شركات الشحن في البداية إلى تجنب البحر الأحمر لم يختفِ، ولا يزال الوضع قبالة سواحل اليمن مصدراً لعدم اليقين.
وعلاوة على ذلك، فإن المخاطر غير متكافئة؛ إذ تشير “دروري” إلى أنه “بينما يمكن استيعاب وفورات مالية بملايين الدولارات ضمن نتائج شبكة عالمية، فإن هجوماً واحداً ناجحاً على سفينة حاويات قد يسفر عن خسائر بشرية وفقدان للشحنات واضطرابات تشغيلية طويلة الأمد وأضرار جسيمة بالسمعة”.
وبناءً على ذلك، ترى “دريوري” أن القرار لم يعد يقتصر ببساطة على تحديد ما إذا كان مسار قناة السويس أرخص من مسار رأس الرجاء الصالح لرحلة الذهاب والعودة؛ بل إن الحسابات الحقيقية توازن بين القيمة السنوية الناتجة عن استعادة السعة التشغيلية، وتقليص أوقات العبور، وزيادة كفاءة الشبكة، وتعزيز الموقف التنافسي، وبين التكلفة المحتملة لأي اضطراب أمني جديد.



