مصطفى بطيشة: الركود التضخمي.. ماذا يحدث للمصنع عندما ترتفع التكلفة ويتراجع الطلب؟

مصطفى بطيشة
نائب الرئيس التنفيذي – Zanana Group
الركود التضخمي من أصعب الحالات الاقتصادية، لأنه يجمع بين ارتفاع مستمر في الأسعار وبين ضعف أو تباطؤ النشاط الاقتصادي والطلب والاستثمار.
لكن من المهم ألا ننتقل من وجود بعض الضغوط إلى تشخيص الاقتصاد بالكامل.
المؤشرات المتاحة لا تكفي لوصف الاقتصاد المصري بأنه دخل حالة ركود تضخمي على مستوى الاقتصاد ككل، لكنها تكشف ضغوطًا تستحق المتابعة، خصوصًا داخل القطاع الخاص غير النفطي.
فالاقتصاد المصري سجل نموًا حقيقيًا بلغ 5.1% خلال العام المالي 2025/2026، فيما بلغ النمو 4.7% خلال الربع الأخير من العام المالي، من أبريل إلى يونيو 2026. وهي معدلات لا تعكس اقتصادًا في حالة ركود شامل.
وفي الوقت نفسه، انخفض التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن إلى 13.9% خلال سبتمبر مقابل 14.5% في أغسطس، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادرة في 10 أكتوبر.
الصورة إذن ليست سوداء أو بيضاء.
النمو موجود، ومعدل التضخم السنوي في المدن تراجع، لكن بعض المؤشرات داخل الشركات تقول إن هناك ضغوطًا يجب قراءتها مبكرًا.
عندما ترتفع التكلفة ويتراجع الطلب
مؤشر مديري المشتريات للقطاع الخاص غير النفطي انخفض في سبتمبر إلى 47.2 نقطة مقابل 49.6 نقطة في أغسطس، وهي قراءة أقل من مستوى 50 الفاصل بين التحسن والتراجع في ظروف النشاط.
وأظهر المسح انخفاضًا أسرع في الإنتاج والطلبات الجديدة، في الوقت الذي استمرت فيه ضغوط التكلفة مع ارتفاع أسعار النفط والمعادن والكهرباء والنقل.
لكن هذه القراءة تخص القطاع الخاص غير النفطي الذي يغطيه المسح، ولا تعني بمفردها انكماش الاقتصاد المصري كله.
بل إن المسح نفسه أظهر استمرار زيادة التوظيف للشهر الثاني على التوالي، مع بقاء الشركات متفائلة بزيادة الإنتاج خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، وإن كان مستوى التفاؤل أقل من أغسطس.
من أرض المصنع، المشكلة يمكن اختصارها بصورة أبسط:
ماذا يحدث عندما يدفع المصنع تكلفة أعلى لإنتاج منتج يجد صعوبة أكبر في بيعه؟
إذا ارتفعت التكلفة بينما الطلب قوي، قد يستطيع المصنع تمرير جزء من الزيادة إلى السعر.
وإذا ضعف الطلب بينما التكلفة مستقرة، قد يستطيع تحمل الضغط لفترة.
لكن عندما ترتفع التكلفة ويتراجع الطلب، تصبح الإدارة أمام معادلة أصعب.
إما أن تتحمل جزءًا من الزيادة فينخفض هامش الربح.
أو ترفع السعر فتخاطر بفقد جزء من السوق.
أو تقلل الإنتاج والمخزون وتؤجل بعض قرارات الاستثمار.
وتظل تكلفة التمويل عامل ضغط إضافيًا مع بقاء أسعار السياسة النقدية مرتفعة؛ إذ قررت لجنة السياسة النقدية في 24 سبتمبر 2026 الإبقاء على سعر الإيداع لليلة واحدة عند 19%، وسعر الإقراض عند 20%، وسعر العملية الرئيسية عند 19.5%. وهذه بالطبع ليست أسعار التمويل التي يحصل عليها كل مصنع، لكنها تعكس البيئة النقدية التي تعمل فيها الشركات.
انخفاض استغلال الطاقة قد يرفع تكلفة الوحدة
لو كان خط إنتاج قادرًا على إنتاج عشرة آلاف وحدة يوميًا، فهناك جزء من تكاليفه سيظل قائمًا سواء أنتج عشرة آلاف وحدة أو ستة آلاف.
الإدارة، والإهلاك، والصيانة، وجزء من العمالة والطاقة والمصروفات الثابتة أو شبه الثابتة لا تنخفض بنفس نسبة انخفاض الإنتاج.
وعندما يتراجع الإنتاج إلى ستة أو سبعة آلاف وحدة، يتم توزيع جزء كبير من هذه التكاليف على عدد أقل من الوحدات، فيرتفع متوسط تكلفة الوحدة.
أما إذا استطاع المصنع استغلال طاقته بصورة أكبر، وكان السوق قادرًا على استيعاب الإنتاج، فإن التكاليف الثابتة تتوزع على عدد أكبر من الوحدات، وهنا تبدأ الاستفادة الحقيقية من اقتصاديات الحجم.
وقد تتشكل حلقة ضغط:
طلب أقل ← إنتاج أقل ← تكلفة أعلى للوحدة ← قدرة أضعف على المنافسة.
ولهذا فإن تراجع الطلب لا يضغط على المبيعات فقط، وإنما قد يرفع أيضًا تكلفة المنتج نفسه.
المصدر يشعر بالضغط بصورة أسرع
المشكلة تصبح أكثر حساسية في التصدير.
العميل الخارجي لا ينظر إلى تكلفة الكهرباء أو التمويل أو النقل داخل مصر باعتبارها ظروفًا يجب عليه تحملها.
هو يقارن المنتج المصري بموردين من دول أخرى.
السعر، والجودة، وموعد التسليم، واستقرار المورد هي ما يراه في النهاية.
فإذا ارتفعت التكلفة، قد يحافظ المصدر على السعر ويضغط على هامشه، أو يرفع السعر ويخاطر بأن ينتقل العميل إلى مورد آخر.
وهنا يتحول التضخم المحلي من مجرد مشكلة أسعار داخلية إلى مشكلة تنافسية في الأسواق الخارجية.
وإذا استمر الضغط لفترة طويلة، قد يمتد أثره إلى الاستثمار نفسه: تأجيل ماكينة، أو خط إنتاج، أو تطوير منتج، أو توسع كان من المفترض أن يرفع القدرة التنافسية مستقبلًا.
متى يصبح خطر الركود التضخمي أكثر جدية؟
ارتفاع التكلفة داخل بعض المصانع أو ضعف الطلب لفترة لا يكفيان وحدهما للقول إن الاقتصاد دخل ركودًا تضخميًا.
لكن المخاطر تزداد إذا استمرت صدمات التكلفة لفترة طويلة، وظل الطلب الخاص ضعيفًا، واتسع تأجيل الاستثمار، وتباطأ النمو بصورة ممتدة، بالتزامن مع ضعف سوق العمل واستمرار التضخم عند مستويات مرتفعة.
وأشار البنك المركزي في بيانه الصادر عن لجنة السياسة النقدية في 24 سبتمبر إلى أن الناتج ما زال أقل من طاقته القصوى، بما يجعل الضغوط التضخمية الناشئة عن الطلب محدودة في الأجل القصير. وفي المقابل، أبقى البنك ميزان مخاطر التضخم مائلًا إلى الاتجاه الصعودي، مع الإشارة إلى المخاطر الإقليمية وإمكانية استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء عالميًا.
وهنا يظهر الفرق بين نوعين من التضخم.
إذا كان التضخم ناتجًا عن طلب زائد، فإن تهدئة الطلب جزء أساسي من العلاج.
لكن إذا كان جزء كبير من الضغط يأتي من الطاقة والخامات والنقل وسلاسل الإمداد، فإن إدارة الطلب وحدها لا تخفض تكلفة إنتاج الوحدة.
إذا كان جزء من التضخم قادمًا من تكلفة الإنتاج، فلا يكفي الضغط على الطلب؛ يجب بالتوازي العمل على تكلفة العرض والطاقة الإنتاجية.
الحل يبدأ بالإنتاجية واستغلال الطاقات
ليس المطلوب أن نطلب من المصانع زيادة الإنتاج دون وجود سوق.
لكن عندما يوجد طلب محلي أو خارجي، يجب أن يستطيع المصنع تشغيل طاقته بأكبر كفاءة ممكنة.
زيادة الإنتاجية، وتحسين التخطيط بين المبيعات والإنتاج والمخزون، وفتح أسواق جديدة تساعد على رفع استغلال الطاقة وتقليل متوسط التكلفة.
مصنع ينتج عشرة آلاف وحدة باستخدام نفس البنية التشغيلية التي كان ينتج بها ستة آلاف، لديه مساحة أكبر لتحسين تكلفة الوحدة، بشرط أن يكون الإنتاج قابلًا للبيع.
اللوجستيات جزء من سعر المنتج
تكلفة المصنع لا تتوقف عند بوابته.
النقل والتخزين والشحن ومدة وصول الخامة ومستويات المخزون كلها تدخل في السعر النهائي.
وكل يوم إضافي في سلسلة الإمداد يعني سيولة مجمدة لفترة أطول وتمويلًا إضافيًا.
لذلك فإن تحسين اللوجستيات والموانئ وسلاسل الإمداد ليس ملفًا منفصلًا عن مواجهة ضغوط التكلفة.
هو جزء من قدرة الصناعة نفسها على المنافسة.
تعميق التصنيع يقلل أثر الصدمات
زيادة المكون المحلي لا تعني محاولة تصنيع كل شيء داخل مصر بأي تكلفة.
هناك خامات وتكنولوجيا ومعدات سيظل استيرادها ضروريًا.
لكن كل مدخل تستطيع الصناعة المصرية إنتاجه محليًا بجودة وتكلفة تنافسية يقلل التعرض لصدمات العملة والشحن واضطرابات سلاسل الإمداد.
الهدف ليس إحلال الاستيراد لمجرد الإحلال.
الهدف هو إنتاج ما نستطيع إنتاجه بكفاءة، وربط المصانع الكبيرة بشبكة أعمق من الموردين المحليين.
الاستثمار الذي يضيف إنتاجًا وتصديرًا
وفي مواجهة ضغوط التكلفة والحاجة إلى العملة الأجنبية، تزداد أهمية الاستثمار الأجنبي الذي يضيف طاقة إنتاجية، ويربط الموردين المحليين بسلاسل التوريد، ويفتح أسواقًا للتصدير.
وهناك نماذج عملية لهذا الاتجاه.
ففي 20 مايو 2026 أعلنت الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة أن شركة أونيفيرس الإيطالية تبحث إنشاء مصنعين للملابس الجاهزة في مصر ضمن سلسلة إنتاج متكاملة تبدأ من تصنيع الخيوط حتى المنتج النهائي، مع استهداف تصدير كامل الإنتاج إلى 59 دولة، وبدء الإنتاج المستهدف بنهاية 2027، وتوفير أكثر من ثلاثة آلاف فرصة عمل مباشرة.
القيمة هنا ليست في دخول رأس مال أجنبي فقط.
القيمة في أن يصبح الاستثمار إنتاجًا داخل مصر، وسلاسل توريد محلية، وتكنولوجيا، وتشغيلًا، ثم صادرات وعملة أجنبية.
وهذا النوع من الاستثمار يساعد على زيادة العرض والطاقة الإنتاجية وفتح أسواق جديدة في الوقت نفسه.
مصر أمام ضغوط تستحق الانتباه.. لا تشخيص متسرع
المؤشرات الحالية لا تكفي للحكم بأن الاقتصاد المصري دخل حالة ركود تضخمي شاملة.
لكنها تقول إن هناك علاقة يجب مراقبتها جيدًا بين تكلفة الإنتاج، والطلب، واستغلال الطاقة، والاستثمار.
لأن استمرار ارتفاع التكلفة بالتزامن مع ضعف الطلب قد يضغط على الإنتاجية والتصدير وقرارات التوسع.
والتعامل مع هذه الضغوط لا يكون بأداة واحدة، بل من خلال إنتاجية أعلى، ولوجستيات أكثر كفاءة، وتصنيع محلي أعمق، واستثمار يضيف إنتاجًا وقدرة تصديرية حقيقية.
المعركة في النهاية ليست فقط مع ارتفاع الأسعار، وإنما مع الأسباب التي ترفع تكلفة المنتج المصري وتضعف قدرته على المنافسة.
مصطفى بطيشة
نائب الرئيس التنفيذي – Zanana Group



