مصطفى بطيشة: مستحقات دعم الصادرات والسيولة.. متى يتحول تأخر الصرف إلى تكلفة على المصنع؟

مصطفى بطيشة
نائب الرئيس التنفيذي – Zanana Group
دعم الصادرات لا يُقاس فقط بحجم المبالغ المخصصة له، وإنما أيضًا بالتوقيت الذي تصل فيه هذه المبالغ إلى الشركة.
فالمُصدر لا يبدأ دورة عمله عند لحظة الشحن. قبلها يكون قد اشترى خامات، ومول إنتاجًا، ودفع أجورًا وطاقة ونقلًا وتعبئة، ثم شحن المنتج وانتظر التحصيل من العميل.
وخلال هذه الدورة قد تكون للشركة مستحقات لدى صندوق تنمية الصادرات، وفي المقابل التزامات ضريبية أو جمركية أو تأمينية يمكن تسويتها من خلال آليات المقاصة.
على الورق، الأرقام قد تبدو متوازنة.
لكن داخل المصنع، السؤال أبسط وأصعب:
هل السيولة متاحة في اللحظة التي يحتاجها فيها التشغيل؟
المساندة موجودة.. لكن التوقيت جزء من قيمتها
خصصت موازنة العام المالي 2026/2027 نحو 48 مليار جنيه لرد الأعباء التصديرية، مقارنة بدعم بلغ 28 مليار جنيه خلال العام السابق، وهو ما يعكس توسعًا واضحًا في المساندة الموجهة للقطاع التصديري.
كما تستهدف الدولة صرف 6 مليارات جنيه ضمن الدفعة الثالثة من مستحقات المصدرين عن الشحنات التي تمت قبل 1 يوليو 2024، مع تحديد 22 أكتوبر موعدًا للصرف.
هذه خطوات مهمة، كما أن الإسراع خلال العام الماضي بصرف 12.6 مليار جنيه لنحو 2500 شركة في دفعتين متتاليتين كان تحركًا إيجابيًا في ملف ظل يمثل ضغطًا على المصدرين لفترة طويلة.
لكن من أرض المصنع، توجد زاوية أخرى يجب النظر إليها.
المصدر لا يقيس المساندة بقيمتها فقط، بل بالوقت الذي يستطيع فيه تحويلها إلى خامة وإنتاج وطلبية جديدة.
فإذا كانت للشركة مستحقات ستصل بعد عدة أشهر، بينما عليها اليوم شراء خامات لطلبية جديدة أو سداد مورد أو تمويل دورة تشغيل، فإنها تواجه فجوة سيولة حقيقية رغم أن لديها أموالًا مستحقة على الورق.
عندما تصبح المستحقات فجوة تمويل
المشكلة تبدأ حين لا تتزامن مواعيد خروج الأموال ودخولها.
المصنع يدفع أولًا.
يشتري الخامة.
ينتج.
يشحن.
وينتظر التحصيل.
إذا كانت هناك مستحقات تصديرية لم تدخل بعد إلى حساب الشركة، فالتشغيل لا يستطيع الانتظار بالضرورة حتى موعد الصرف.
وهنا قد تضطر الإدارة إلى استخدام تسهيلات مصرفية لسد الفجوة.
في هذه اللحظة تتحول مشكلة التوقيت إلى تكلفة.
الشركة لم تقترض بالضرورة من أجل توسع جديد أو شراء ماكينة، وإنما قد تقترض فقط لكي تمول فترة الانتظار بين الأموال التي خرجت بالفعل والأموال التي يفترض أن تعود إليها.
وهذه تكلفة لا تظهر عندما ننظر فقط إلى قيمة دعم الصادرات، لكنها تظهر بوضوح في تكلفة المنتج وربحية الطلبية.
المقاصة جيدة.. عندما تنهي الدورة بسرعة
وجود منظومة للمقاصة بين مستحقات المستثمرين ومديونياتهم لدى الجهات الحكومية فكرة سليمة في الأساس.
فإذا كانت للشركة مستحقات من جهة، وفي الوقت نفسه عليها ضرائب أو جمارك أو التزامات أخرى، فإن التسوية المباشرة يمكن أن تقلل حركة الأموال والإجراءات.
لكن بالنسبة للإدارة الصناعية، نجاح المقاصة لا يتوقف على وجودها فقط.
القيمة الحقيقية للمنظومة تظهر في سرعة إغلاق التسوية.
لأن الشركة إذا لم تحصل على مستحقاتها نقدًا، وفي الوقت نفسه لم تُنهِ المقاصة بصورة سريعة، فإن الأموال تظل خارج دورة التشغيل في الوقت الذي قد يحتاج فيه المصنع إلى السيولة.
وهنا لا تصبح المسألة محاسبية فقط.
تصبح مسألة إنتاج ومخزون وتسليم عميل.
من التأخير الإداري إلى تكلفة المنتج
لنفترض أن مصنعًا لديه طلبية تصدير جديدة.
الخامة متاحة.
الطاقة الإنتاجية موجودة.
العميل جاهز.
لكن الشركة تحتاج إلى سيولة لشراء الخامات وبدء التشغيل، وجزء من أموالها ما زال في دورة مستحقات أو تسويات.
أمام الإدارة عدة اختيارات.
إما الانتظار، وقد تخسر الطلبية أو تتأخر عن موعد السوق.
أو تقليل حجم الإنتاج.
أو اللجوء إلى التمويل المصرفي.
وفي بيئة تمويل مرتفعة التكلفة، هذا التمويل سيجد طريقه في النهاية إلى هامش الربح أو سعر المنتج.
إذا استطاع المصنع تحمل التكلفة، ينخفض هامشه.
وإذا حاول تحميلها بالكامل على السعر، قد يفقد جزءًا من قدرته التنافسية.
وهنا تتحول أيام الإجراءات إلى أرقام داخل تكلفة المنتج.
التأخير الإداري قد يبدأ بمستند، لكنه قد ينتهي في سعر التصدير.
المصدر لا ينافس داخل مصر فقط
هذه النقطة تصبح أكثر حساسية في التصدير.
المصدر المصري الذي يبيع إلى أوروبا أو إفريقيا أو أي سوق خارجي لا ينافس شركة مصرية أخرى فقط.
هو ينافس موردين من دول مختلفة، وكل منهم لديه هيكل تكلفة وتمويل ودعم ولوجستيات مختلف.
العميل الخارجي لا يسأل المصدر عن سبب ارتفاع تكلفة التمويل، ولا عن مدة التسوية مع جهة حكومية.
هو يقارن في النهاية بين:
السعر.
الجودة.
موعد التسليم.
والقدرة على الاستمرار.
ولهذا فإن كل تكلفة إضافية تدخل على دورة التشغيل تقلل المساحة المتاحة أمام المصدر للمنافسة.
ودعم الصادرات يحقق أكبر أثر اقتصادي عندما يساعد الشركة على العودة بسرعة إلى دورة الإنتاج التالية، لا عندما يظل مجرد مستحق محاسبي تنتظر الشركة موعد الحصول عليه.
وإذا دخلت العملة الأجنبية في المعادلة
الأمر يصبح أكثر تعقيدًا في الصناعات التي تعتمد على خامات أو مكونات مستوردة.
المصدر قد يحصل على جزء من إيراداته بالعملة الأجنبية، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى تمويل شراء خامات من الخارج.
وإذا لم تتطابق توقيتات التحصيل بالعملة الأجنبية مع مواعيد سداد الالتزامات، تتحول فجوة السيولة إلى مخاطرة إضافية في سعر الصرف والتسعير.
وبالتالي لا تصبح فجوة السيولة مجرد مسألة توفير أموال، بل قرارًا له تأثير مباشر على هامش الربح وتكلفة المنتج وتوقيت الطلبية.
الشركات الصغيرة والمتوسطة تدفع الثمن أولًا
المصانع الكبيرة قد تكون لديها قدرة أكبر على امتصاص تأخر التحصيل أو استخدام حدود ائتمانية مختلفة أو تمويل مخزون لفترة أطول.
أما الشركات الصغيرة والمتوسطة، فالمساحة أضيق.
جزء صغير من السيولة المتوقفة قد يمثل نسبة كبيرة من رأس المال العامل.
وطلبية واحدة كبيرة قد تحتاج إلى تمويل يفوق السيولة المتاحة بالكامل.
ولهذا فإن شركة صغيرة قد تكون لديها فرصة تصدير حقيقية وعميل جاهز، لكنها لا تستطيع تنفيذ الطلبية بنفس السرعة التي تستطيع بها شركة أكبر تحمل فترة الانتظار.
وهنا تصبح سرعة صرف المستحقات وإنهاء المقاصة والتسويات أداة دعم للمنافسة نفسها، وليست مجرد إجراء مالي.
المطلوب ليس زيادة الدعم فقط
زيادة مخصصات دعم الصادرات خطوة مهمة، وتسريع سداد المتأخرات مهم، والرقمنة والمقاصة الإلكترونية اتجاه ضروري.
لكن المرحلة التالية يجب أن يكون معيارها واضحًا:
كم يستغرق المصدر فعليًا منذ ثبوت استحقاقه حتى تصبح الأموال أو التسوية متاحة له لاستخدامها في دورة التشغيل التالية؟
هذا الرقم ربما يكون أهم للمصنع من عدد الإجراءات أو أسماء المبادرات.
لأن الصناعة تتحرك بالوقت.
الطلبية لها موعد.
الخامة لها موعد.
السفينة لها موعد.
والعميل لن ينتظر دورة الإجراءات الداخلية للشركة.
دعم الصادرات في النهاية ليس مكافأة على ما تم تصديره فقط.
هو أداة يفترض أن تساعد المصدر على إنتاج وشحن الطلبية التالية.
وعندما تصل المساندة في التوقيت الصحيح، تتحول إلى خامة وإنتاج وتوظيف وتصدير جديد. أما عندما تتأخر، فقد يضطر المصنع إلى تمويل الفترة الفاصلة بتكلفة قد تأكل جزءًا من الأثر الذي صُمم الدعم لتحقيقه من الأساس.
مصطفى بطيشة
نائب الرئيس التنفيذي – Zanana Group



