مصطفى بطيشة: الصادرات المصرية ترتفع.. لماذا يبدأ خفض العجز التجاري من تعميق التصنيع المحلي؟

مصطفى بطيشة
نائب الرئيس التنفيذي – Zanana Group
ارتفاع الصادرات خبر إيجابي لأي اقتصاد، لكنه لا يحكي القصة كاملة.
فخلال النصف الأول من عام 2026، بلغت الصادرات السلعية غير البترولية المصرية، بعد استبعاد الذهب، نحو 23.3 مليار دولار بزيادة 12% عن الفترة نفسها من العام السابق. وفي المقابل بلغت الواردات غير البترولية، بعد استبعاد الذهب، نحو 44 مليار دولار بزيادة 11.5%، ليسجل العجز التجاري غير البترولي نحو 20.8 مليار دولار.
الأرقام هنا تطرح سؤالًا مهمًا من داخل الصناعة:
هل يكفي أن نصدر أكثر، أم يجب أن نسأل أيضًا: كم من قيمة المنتج الذي نصدره صُنع فعليًا داخل مصر؟
التصدير وحده ليس نهاية المعادلة
المصنع قد يصدر منتجًا نهائيًا بقيمة مرتفعة، لكنه في الوقت نفسه يعتمد على خامات أو مكونات أو مستلزمات إنتاج مستوردة.
هذا ليس خطأ في حد ذاته.
فالاستيراد جزء طبيعي من الصناعة، ولا توجد صناعة قوية في العالم تقوم على إغلاق السوق أمام المكونات والتكنولوجيا والمعدات القادمة من الخارج.
المشكلة تبدأ عندما يظل المنتج المحلي معتمدًا لفترة طويلة على نسبة مرتفعة من المدخلات المستوردة التي يمكن بناء بدائل صناعية حقيقية لها داخل السوق.
هنا يصبح السؤال مختلفًا.
ليس فقط: كم بلغت قيمة صادراتنا؟
ولكن: ما حجم القيمة التي أضفناها داخل البلد قبل أن يخرج المنتج إلى السوق الخارجي؟
والفرق بين السؤالين كبير.
القيمة الحقيقية تبدأ قبل باب المصنع
إذا كان مصنع يصدر منتجًا بقيمة مائة دولار، بينما جزء كبير من خاماته ومكوناته يأتي من الخارج، فإن قيمة التصدير تظل مائة دولار في الإحصاءات، لكن القيمة التي أضافتها الصناعة المحلية أقل من ذلك.
أما عندما تبدأ الخامة أو المكون أو العبوة أو الجزء الهندسي في الانتقال إلى مورد محلي قادر على الإنتاج بنفس الجودة والمواصفة والسعر التنافسي، فالأثر يصبح أوسع.
المصنع الرئيسي ينمو.
والمورد المحلي ينمو معه.
تظهر صناعات مغذية جديدة.
تزيد فرص العمل والخبرات الفنية.
وتصبح سلسلة الإنتاج نفسها أكثر عمقًا داخل الاقتصاد.
من هنا، تعميق التصنيع ليس مجرد استبدال منتج مستورد بمنتج محلي، بل بناء سلسلة موردين تستطيع أن تدخل في المنتج النهائي وتنافس داخليًا وخارجيًا.
والمورد المحلي لا يحصل على الأفضلية لمجرد أنه محلي
وهنا توجد نقطة مهمة جدًا من أرض الصناعة.
لا يمكن مطالبة مصنع يستخدم مكونًا مستوردًا بأن يستبدله بمكون محلي لمجرد وجود بديل مصري.
المصنع في النهاية ملتزم أمام عميله بالجودة والسعر وموعد التسليم.
إذا كان المورد المحلي غير قادر على تحقيق المواصفة، أو غير مستقر في الجودة، أو تكلفته تجعل المنتج النهائي غير قادر على المنافسة، فلن يكون إحلاله قرارًا صناعيًا سليمًا.
لذلك فإن زيادة المكون المحلي مسؤولية مشتركة.
المصنع الكبير يحتاج إلى فتح الباب أمام المورد المحلي.
لكن المورد نفسه يحتاج إلى تطوير الجودة والطاقة الإنتاجية والتكنولوجيا والانضباط في التسليم.
التوطين الحقيقي لا يحدث بقرار شراء، بل عندما يصبح المورد المحلي قادرًا على المنافسة.
ودور الدولة هنا ليس أن تفرض على المصنع شراء مكون محلي غير جاهز، بل أن تساعد المورد على الوصول إلى الجاهزية من خلال تمويل مناسب، ومعامل اختبار واعتماد، وتدريب فني، وربط حقيقي بين المصانع الكبيرة والصناعات المغذية.
فالمورد المحلي لا يحتاج إلى حماية دائمة، بقدر ما يحتاج إلى فرصة عادلة لبناء قدرة إنتاجية يمكن الاعتماد عليها.
صناعة السيارات مثال واضح
صناعة السيارات توضح الفكرة بصورة مباشرة.
فالسيارة ليست مصنع تجميع فقط. خلف المنتج النهائي توجد شبكة واسعة من الصناعات المغذية: أجزاء معدنية، ومكونات بلاستيكية، وزجاج، ومقاعد، وضفائر كهربائية، وأنظمة إلكترونية، وإطارات، ومكونات أخرى عديدة.
لذلك فإن زيادة إنتاج السيارات وحدها ليست نهاية الهدف، بل الأهم هو مقدار ما ينتقل تدريجيًا من هذه السلسلة إلى التصنيع المحلي.
والبرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات يعكس هذا الاتجاه؛ إذ يستهدف وصول القيمة المضافة المحلية إلى 60%، مع رفع المكون الصناعي المحلي المستهدف إلى أكثر من 35%.
والرقمان مختلفان، لأن القيمة المضافة المحلية أوسع من مجرد نسبة المكونات المصنعة محليًا.
وفي شرق بورسعيد، تظهر أهمية التكامل بين المنطقة الصناعية والميناء ومحطة تداول السيارات والمركبات، بما يدعم فكرة بناء منظومة تخدم الإنتاج والتصنيع والتصدير، لا مجرد حركة عبور أو تجميع.
القيمة هنا ليست في محطة أو مصنع بمفرده.
القيمة في بناء منظومة: تصنيع، وموردون، ولوجستيات، وميناء، ثم سوق تصدير.
المشكلة ليست أن نبدأ بالتجميع.. المشكلة أن نتوقف عنده
في كثير من الصناعات، قد يكون التجميع هو البداية الطبيعية.
يدخل المستثمر بالسوق، يبدأ الإنتاج، تتكون الخبرة، ويزداد حجم الطلب، ثم تبدأ فرصة تصنيع المكونات محليًا.
هذا مسار منطقي.
لكن إذا مرت السنوات وظل المنتج يعتمد تقريبًا على نفس هيكل المكونات المستوردة، فنحن نكون قد زدنا الإنتاج دون أن نعمق الصناعة بالقدر نفسه.
لذلك يجب أن تتحول كل صناعة كبيرة إلى فرصة لصناعة أصغر خلفها.
مصنع الأجهزة يحتاج إلى موردي مكونات.
ومصنع السيارات يحتاج إلى عشرات الصناعات المغذية.
ومصنع الأغذية يحتاج إلى التعبئة والتغليف والخامات والمعدات والخدمات اللوجستية.
وهكذا يبدأ أثر الاستثمار في الانتقال من شركة واحدة إلى سلسلة كاملة من الشركات.
ليس الهدف تقليل الواردات بأي ثمن
وهذا مهم لأن جزءًا معتبرًا من فاتورة الواردات غير البترولية يرتبط بالسلع الوسيطة ومدخلات الإنتاج؛ وهي ليست واردات يجب إيقافها، لكنها تكشف أين يمكن أن تبدأ فرص التصنيع المحلي تدريجيًا.
من الخطأ أن يصبح خفض الواردات هدفًا منفصلًا عن القدرة التنافسية.
هناك معدات وتكنولوجيا وخامات تحتاج الصناعة إلى استيرادها لكي تنتج وتتوسع وتصدر.
لذلك القضية ليست:
كيف نستورد أقل؟
بل:
ماذا نستورد؟ وماذا نستطيع أن نصنع بكفاءة؟ وكيف نحول جزءًا أكبر من الواردات الحالية إلى قاعدة إنتاج محلية قادرة على المنافسة؟
هذا هو الفارق بين إحلال واردات قصير المدى وتعميق صناعي مستدام.
من رقم الصادرات إلى قيمة الصناعة
زيادة الصادرات المصرية تظل مؤشرًا مهمًا وإيجابيًا.
لكن المرحلة التالية تحتاج إلى النظر داخل المنتج نفسه.
كل مكون يتم تصنيعه محليًا بجودة وتكلفة تنافسية، وكل مورد مصري يدخل سلسلة توريد كانت تعتمد بالكامل على الخارج، يعني أن نسبة أكبر من قيمة المنتج أصبحت تُصنع داخل الاقتصاد.
وعندها لا نكون فقط أمام صادرات أكبر.
نكون أمام صناعة أعمق، وقاعدة موردين أقوى، واعتماد أقل على الخارج في المكونات التي نستطيع إنتاجها بكفاءة، وقيمة أكبر تبقى داخل الاقتصاد مع كل منتج يخرج إلى الأسواق العالمية.
التحدي الحقيقي ليس فقط أن نصدر أكثر، بل أن تزيد نسبة ما نُصنّعه محليًا داخل كل منتج نصدره.
مصطفى بطيشة
نائب الرئيس التنفيذي – Zanana Group



