الاضطرابات الجيوسياسية تعيد تشكيل القرار الصناعي: من سلاسل الإمداد إلى التشغيل داخل المصنع.. والاستعداد يبدأ قبل الأزمة

مصطفى بطيشة
نائب الرئيس التنفيذي – Zanana Group
لم تعد الاضطرابات الجيوسياسية أحداثًا بعيدة عن المصنع. قد يبدأ الحدث على بعد آلاف الكيلومترات، لكن أثره يصل سريعًا إلى الموردين والمشتريات والمخزون وخطة الإنتاج والتسعير، وينتهي عند قدرة المصنع على الالتزام بموعد التسليم للعميل.
وما يحدث حاليًا في حركة التجارة والممرات البحرية يعيد تأكيد ذلك.
فقد أظهرت بيانات أولية لتتبع حركة السفن، نُشرت الخميس 17 سبتمبر، أن عدد سفن السلع التي عبرت مضيق هرمز يوم الأربعاء 16 سبتمبر انخفض إلى ثلاث سفن فقط، مقابل 12 سفينة في اليوم السابق، ومتوسط بلغ نحو 17 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة. وهي بيانات أولية لا تشمل بالضرورة السفن التي قد تعبر مع إغلاق أجهزة التعريف الخاصة بها.
بالنسبة للمصنع، القضية ليست عدد السفن التي عبرت أو لم تعبر.
القضية هي: ماذا يحدث للقرار الصناعي عندما تسقط إحدى الفرضيات التي بُنيت عليها الخطة؟
قد تكون الإدارة قد اختارت المورد، وحددت حجم المخزون، ووضعت خطة الإنتاج، والتزمت بسعر وموعد تسليم للعميل. ثم يتأخر المورد، أو يتغير مسار الشحن، أو ترتفع تكلفة النقل، أو تمتد فترة وصول الخامات.
هنا لا نكون أمام مشكلة في سلسلة الإمداد فقط، بل أمام قرار صناعي كامل يحتاج إلى التحرك.
القرار الصناعي لا يُبنى على سيناريو واحد
الرئيس التنفيذي أو المدير الصناعي لا يفترض أن قراره سيظل صحيحًا مهما تغيرت المعطيات.
عند اختيار مورد رئيسي، يجب أن يكون السؤال: ماذا لو تأخر؟ وهل لدينا بديل جاهز؟
وعند تحديد مستوى المخزون: كم يستطيع المصنع الاستمرار إذا تعطلت الخامة الرئيسية؟
وعند الالتزام بسعر وموعد تسليم: ما المساحة المتاحة للتحرك إذا تغيرت تكلفة الشحن أو مدة التوريد؟
هذه الأسئلة لا تبدأ بعد وقوع الأزمة، وإنما يجب أن تكون جزءًا من القرار قبل اتخاذه.
ليس المطلوب أن تتوقع الإدارة أين ستبدأ الحرب القادمة أو متى ستتعطل الملاحة، فهذا غير ممكن.
لكن المطلوب أن تعرف مسبقًا أين يمكن أن يتأثر قرارها، وما البديل إذا حدث ذلك.
المورد الأرخص ليس دائمًا الأقل تكلفة
في الصناعة، تأخر مادة خام لا يظل مشكلة داخل إدارة المشتريات.
قد يُغيّر خطة الإنتاج، ويضغط على المخزون، ويؤخر التسليم، وربما يفرض تكلفة إضافية أو يضر بالعلاقة مع عميل رئيسي.
لذلك لا يمكن تقييم المورد من خلال السعر وحده.
فقد يكون المورد الأول أقل سعرًا، لكنه يحتاج فترة توريد أطول ويصعب تعويضه وقت الأزمة، بينما يكون مورد آخر أعلى قليلًا في السعر لكنه أكثر استقرارًا وأسرع في الاستجابة.
الخامة الأرخص قد تتحول إلى الخيار الأعلى تكلفة إذا عطلت خط الإنتاج أو أضاعت موعدًا تم الالتزام به مع العميل.
ونفس المنطق ينطبق على المخزون. الهدف ليس زيادته خوفًا من الأزمات، ولا تخفيضه لمجرد إظهار كفاءة أعلى، وإنما تحديده وفق أهمية المادة، وتوافر البدائل، وفترة التوريد، وتأثير توقفها على التشغيل.
السيناريو البديل يجب أن يكون جاهزًا قبل الحاجة إليه
السيناريو البديل ليس ورقة نعود إليها عندما تبدأ الأزمة.
هو قرار مجهز مسبقًا: متى نتحرك؟ وما البديل؟ ومن صاحب القرار؟
إذا تجاوز تأخير المورد حدًا معينًا، يتم تفعيل المورد البديل قبل أن يتوقف خط الإنتاج.
إذا وصل مخزون مادة رئيسية إلى مستوى حرج، تتم مراجعة خطة التشغيل قبل نفادها.
وإذا تحركت تكلفة عنصر أساسي بصورة تهدد هامش الربح، تتم مراجعة التسعير أو شروط التعاقد قبل أن تتحول الطلبية إلى خسارة.
الفرق هنا بسيط لكنه حاسم:
شركة تبدأ البحث عن الحل بعد وقوع المشكلة، وشركة كانت تعرف من البداية ماذا ستفعل إذا حدثت.
الاستباقية لا تعني معرفة المستقبل
لن تستطيع الشركات التحكم في الحروب أو أسعار الطاقة أو الممرات البحرية، لكنها تستطيع التحكم في درجة استعدادها.
هنا لا تُقاس قوة الإدارة بسرعة رد الفعل فقط، بل بمدى جاهزية القرار قبل الأزمة.
الرئيس التنفيذي القوي ليس من ينتظر الأزمة ثم يثبت أنه يستطيع التعامل معها، وإنما من يتخذ القرار من البداية وهو يعرف نقاط ضعفه، وحدود تحمله، والبدائل المتاحة أمامه.
لذلك لم يعد السؤال فقط:
هل القرار الذي نتخذه اليوم صحيح؟
بل يجب أن نسأل أيضًا:
هل يستطيع هذا القرار الصمود إذا تغيرت المعطيات غدًا؟
لأن المصنع الذي يعتمد على سيناريو واحد قد تفرض عليه الأزمة قراره.
أما المصنع الذي يستعد لأكثر من احتمال، فتظل لديه مساحة للحركة عندما تتغير الظروف.
مصطفى بطيشة
نائب الرئيس التنفيذي – Zanana Group



