«أونكتاد»: أزمة مضيق هرمز تُعيد تشكيل تجارة الأسمدة واقتصادات المحاصيل

تُقدّر حجم الأسمدة العالقة في الخليج بنحو 833,800 طن متري
أدت ثمانية أسابيع من الصراع في الشرق الأوسط إلى أزمة أسمدة تُهدد بإعادة تشكيل الاقتصاد الزراعي، من البرازيل إلى جنوب شرق آسيا، حيث بات ما يقرب من 24% من إمدادات الأسمدة العالمية محصورة فعليًّا خلف مضيق هرمز.
وبينما هيمنت أخبار إمدادات النفط على عناوين الصحف منذ بدء الصراع، تبرز سوق الأسمدة كضحية لا تقل أهمية، وقد لا تتضح آثارها الكاملة إلا مع بداية تراجع المحاصيل، في وقت لاحق من العام، وفقًا لتقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد”.
وتُظهر إحصاءات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية انخفاض حركة الشحن عبر مضيق هرمز بأكثر من 95% منذ بدء الأزمة، مع وجود حوالي 3200 سفينة عالقة في المنطقة منذ البداية.
ويشير التقرير إلى أن التأثير غير المباشر تسبَّب في تجميد ما يقارب 24% من إمدادات الأسمدة العالمية السائبة، كمايُقدّر حجم الأسمدة العالقة في الخليج بنحو 833,800 طن متري، معظمها من اليوريا – أكثر أنواع الأسمدة النيتروجينية استخدامًا في العالم، كما يُقدّر أن خسارة صادرات النيتروجين من الخليج وحدها تُشكّل نحو 30% من إمدادات اليوريا العالمية.
ويُفاقم هذا التكدسَ المادي أزمةُ تكاليف الإنتاج إذ يُشكّل الغاز الطبيعي ما يصل إلى 80% من تكلفة إنتاج اليوريا، وارتفاع أسعار الغاز يجعل الإنتاج من مواقع بديلة غير مُجدٍ اقتصاديًّا بشكل متزايد.
كما تُواجه سلاسل إمداد الفوسفات والبوتاس اضطرابات إضافية نتيجة فشل الخدمات اللوجستية المرتبطة بالنزاعات.
ووفقًا لشركة الوساطة البحرية BRS، ارتفعت أسعار الأسمدة النيتروجينية بنسبة تقارب 40% في مارس، بينما أفاد Jefferies بارتفاع أسعار جميع الأسمدة بنسبة 23%.
وأشارت منظمة SSY بالفعل إلى احتمال تحول المزارعين الأمريكيين نحو فول الصويا، حيث تبلغ تكلفة الأسمدة للفدان الواحد نحو ثلث تكلفة الذرة، ويُعد هذا التناوب إستراتيجية للبقاء، لكن آثاره ستمتد إلى إمدادات المحاصيل في العام المقبل.
وأشار التقرير إلى أن المشكلة الرئيسية لا تكمن فحسب في تأخير السفن، بل في الارتفاع الحادّ في تأمين مخاطر الحرب وأسعار الشحن الفوري، حيث يُعد الخليج العربي مركزًا رئيسيًّا لصادرات النيتروجين العالمية، كما أن مُنتجي الخليج يواجهون صعوبة في تصريف الشحنات العاجلة، مما يضطر المشترين للبحث بقوة عن مصادر بديلة، بما في ذلك البحر الأسود وشمال أفريقيا؛ لتأمين الإمدادات.
وتتفاقم تقلبات الأسعار في جميع مراحل سلسلة التوريد، إذ تنفصل تكاليف الشحن وأسعار النقل إلى أسواق الوجهة، ولا سيما أمريكا الجنوبية وآسيا، عن أسعار المنشأ مع ارتفاع تكاليف الشحن، حيث باتت أسعار المنشأ والوجهة عرضة للتقلبات الحادة يوميًّا.
وحذّر التقرير قائلًا: “إذا استمر هذا الاختناق، فلن يقتصر الأمر على تضييق هوامش الربح للتجار، بل سيغيّر، بشكل جذري، اقتصادات الإنتاج الزراعي ويؤدي مباشرة إلى تضخم أسعار الغذاء، حيث سيحتاج المزارعون إلى المُدخلات وسيدفعون أسعارًا أعلى”.
وقال مارك ويليامز، رئيس شركة “إستراتيجية الشحن” الاستشارية، إن اضطراب إمدادات الأسمدة قد يتفاقم ليصبح مشكلة كبيرة لتدفقات الشحنات الزراعية، في النصف الثاني من العام. وتعتمد البرازيل، إلى جانب أجزاء من آسيا وأفريقيا، اعتمادًا كبيرًا على الأسمدة المستوردة، ويأتي هذا التوقيت في غاية الصعوبة. إذا تراجعت الإمدادات خلال موسم الزراعة وانخفضت معدلات التسميد، فقد تتأثر غلة المحاصيل سلبًا، ما يعني انخفاض شحنات الحبوب في النصف الثاني من عام 2025.
ويرى المجلس الدولي للحبوب أن معظم مزارعي نصف الكرة الشمالي لديهم مخزون كافٍ، خلال موسم العمل الميداني الربيعي الحالي، لكنه يُحذر من أن استمرار الأزمة قد يغيّر قرارات الزراعة في مناطق أخرى لاحقًا من العام.
وقدّر التقرير أنه في حين أن النزاع قد يُقدم بعض الدعم قصير الأجل لشحن البضائع السائبة “الصب الجاف”، من خلال اضطراب الإمدادات، وتباطؤ حركة الملاحة، وإعادة توجيه الشحنات، فإن الخطر متوسط الأجل يكمن في انخفاض الطلب نتيجة التضخم، وندرة الطاقة، واضطراب إمدادات الأسمدة، وضعف النشاط الصناعي، وهو تهديد مُركّب لأسواق الشحن بدأ للتو يظهر في السوق.
وستتم مناقشة أزمة شحن الأسمدة المتفاقمة بالتفصيل، الأسبوع المقبل، خلال جلسة السلع الزراعية في مؤتمر جنيف دراي، وهو المؤتمر العالمي الأبرز في مجال شحن السلع.



