د أسامة شاهين يكتب : من الأزمة إلى الاستدامة، كيف تستفيد مصر في دعم صادراتها غير البترولية.

في أوقات الحروب، لا تتغير خرائط السياسة فقط، بل تتغير معها خرائط التجارة، وتتحرك معها موازين الطلب، وتُعاد صياغة أولويات الأسواق. والحرب الحالية في المنطقة لم تعد مجرد حدث عسكري أو أمني؛ بل أصبحت عاملًا اقتصاديًا مباشرًا يضغط على سلاسل الإمداد، ويرفع كلفة الشحن والتأمين، ويضعف قدرة بعض الدول على الحفاظ على تدفق صادراتها غير البترولية بالوتيرة المعتادة. ومع تصاعد المخاطر حول الممرات الحيوية، خاصة مضيق هرمز واستمرار هشاشة حركة الملاحة الإقليمية، دخلت التجارة في المنطقة مرحلة جديدة عنوانها: من يستطيع التوريد بثبات، يربح السوق.
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بالنفط والغاز كما يظن البعض. الواقع أن السلع غير البترولية نفسها أصبحت تحت ضغط حقيقي، سواء بسبب ارتفاع أسعار الطاقة، أو تعطل الشحن، أو زيادة تكلفة المواد الخام والمدخلات الوسيطة. تقارير حديثة أشارت إلى أن الاضطرابات الحالية أثرت أيضًا على أسواق الأسمدة ومكوناتها، والألومنيوم، وسلاسل توريد صناعية وغذائية أخرى، بما يعني أن المصدرين في عدد من دول المنطقة سيدخلون مرحلة أصعب من حيث التسليم والتسعير والالتزام التعاقدي.
ومن هنا تبدأ الفرصة المصرية. لأن السوق في لحظات الاضطراب لا يبحث أولًا عن الأرخص، بل عن الأكثر قدرة على الاستمرار واستدامة التوريد. ومصر، رغم التحديات، تمتلك في هذه اللحظة ميزة قد لا تبدو صاخبة، لكنها شديدة الأهمية: قاعدة إنتاج متنوعة نسبيًا، وموقع جغرافي استثنائي، وقاعدة صناعية قابلة للتوسع، وعلاقات تجارية ممتدة مع أسواق عربية وأفريقية وأوروبية. والأهم أن الصادرات غير البترولية المصرية كانت قد حققت بالفعل نموًا واضحًا خلال 2025؛ إذ بلغت نحو 48.57 مليار دولار بزيادة 17% عن 2024، وهو ما يعكس أن هناك قدرة تصديرية حقيقية يمكن البناء عليها، لا مجرد طموح نظري. كما أشارت مؤسسات دولية إلى أن الصادرات غير البترولية في مصر سجلت نموًا قويًا خلال 2025، رغم الضغوط الخارجية.
لكن الاستفادة من الحرب لا تكون بالشعارات، بل بسرعة التموضع. أول ما يجب أن تدركه مصر هو أن بعض المشترين الإقليميين والدوليين سيبدأون فورًا في البحث عن موردين بديلين أو إضافيين لتقليل المخاطر. وهنا يجب أن تتحرك الدولة والقطاع الخاص بعقلية “اقتناص الحصة السوقية” لا بعقلية “الانتظار حتى تهدأ الأزمة”. المطلوب هو التركيز على القطاعات القادرة على التوسع السريع، مثل الصناعات الغذائية، والدوائية، والكيماوية، ومواد البناء، والمنسوجات، والحاصلات الزراعية، وبعض الصناعات الهندسية الخفيفة. هذه القطاعات يمكن أن تستفيد من أي اضطراب يصيب منافسين إقليميين إذا ضمنت مصر عنصرين حاسمين: الجاهزية وسرعة التسليم.
كذلك، فإن الاستفادة الحقيقية لا تعني فقط زيادة الكميات المصدرة، بل إعادة تقديم مصر باعتبارها شريكًا موثوقًا في أوقات عدم اليقين. العالم اليوم لا يشتري المنتج فقط، بل يشتري استقرار سلسلة الإمداد. وبالتالي، فإن على مصر أن تستثمر هذا الظرف في تسويق نفسها كمركز إنتاج وتوريد آمن نسبيًا، خاصة للأسواق التي تريد تقليل اعتمادها على مسارات شديدة الحساسية أو موردين معرضين لتعطلات أكبر. وهنا يصبح لوجستيًا وصناعيًا كل يوم تأخير مكلفًا. صحيح أن اضطرابات البحر الأحمر وسنوات التراجع السابقة في حركة قناة السويس أظهرت حجم هشاشة التجارة العالمية، حيث أشارت تقارير الأونكتاد إلى أن tonnage العابر للقناة ظل في مايو 2025 أقل بنحو 70% عن متوسط 2023، لكن هذا يثبت أيضًا أن العالم صار أكثر استعدادًا لإعادة توزيع مصادر التوريد.
الخلاصة أن الحرب، رغم كلفتها ومخاطرها، تفتح نافذة اقتصادية لمن يقرأ المشهد بسرعة. وإذا أرادت مصر أن تستفيد فعلًا، فعليها أن تتحرك بمنطق الدولة التصديرية: حوافز موجهة للقطاعات الأسرع نموًا، دعم لوجستي عاجل، تسهيل الإفراجات ومدخلات الإنتاج، وتحرك تجاري مركز في الأسواق التي ستبحث الآن عن بدائل مستقرة. لأن الفرص في زمن الأزمات لا تنتظر طويلًا، ومن يتأخر في ملء الفراغ، يتركه لغيره. وفي لحظة إقليمية مرتبكة كهذه، قد تكون أفضل استفادة لمصر ليست فقط في بيع المزيد، بل في تثبيت صورتها كقوة إنتاج موثوقة حين تتعطل الآخرين



