محمود غزال : هل تواكب قواعد التمويل واقع الصناعة المصرية؟ وماذا عن المصدرين الصغار؟

في عالم الصناعة، لا يمكن فصل التمويل عن القدرة على الإنتاج والتوسع والتصدير. لكن عندما تتغير الظروف الاقتصادية بصورة كبيرة، بينما تظل معايير تصنيف المشروعات بعيدة عن واقع السوق، يصبح من الضروري مراجعتها حتى لا تتحول من أداة للدعم إلى عائق أمام النمو.
لسنوات، ارتبطت بعض المبادرات التمويلية الميسرة، ومنها مبادرة تمويل المشروعات الصغيرة بسعر عائد 5%، بحدود محددة لحجم الأعمال السنوي. لكن بعد سنوات من التضخم وارتفاع أسعار الخامات والطاقة والنقل والأجور، يظل السؤال: هل ما كان يُصنَّف مشروعًا كبيرًا منذ سنوات، يظل كبيرًا بالمعنى الاقتصادي نفسه اليوم؟
المشكلة ليست في زيادة المبيعات وحدها
ارتفاع المبيعات لا يعني بالضرورة زيادة الأرباح أو تحسن القدرة المالية للمصنع. فقد ترتفع قيمة المبيعات الاسمية نتيجة زيادة تكاليف الإنتاج، بينما تتراجع هوامش الربح وتزداد احتياجات رأس المال العامل.
وبالتالي، قد تتجاوز شركة صناعية الحدود المقررة للمشروعات الصغيرة، فتفقد أهلية بعض المزايا التمويلية، رغم أن نمو مبيعاتها لا يعكس بالضرورة نموًا مماثلًا في قدرتها المالية.
وفي فبراير 2026، وافق مجلس الوزراء على مشروع قانون لتعديل بعض أحكام قانون تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر رقم 152 لسنة 2020، متضمنًا رفع الحدود المقترحة لحجم الأعمال السنوي؛ لتصبح المشروعات الصغيرة من مليوني جنيه إلى أقل من 100 مليون جنيه، والمتوسطة من 100 مليون إلى 400 مليون جنيه.
وهي خطوة مهمة، لكن الأثر الحقيقي يتوقف على استكمال الإجراءات التشريعية والتنفيذية، وانعكاس التعديلات على قواعد التمويل المصرفي والمبادرات ذات الصلة.
تكلفة التمويل تضغط على القدرة التنافسية
عندما تخرج بعض المنشآت من برامج التمويل الميسر، قد تضطر إلى الاقتراض بتكلفة مرتفعة تصل، في بعض الحالات، إلى نحو 23% وفقًا لشروط التسهيلات المصرفية. وهذه التكلفة تمثل عبئًا كبيرًا على المصانع التي تحتاج إلى تمويل الخامات والإنتاج قبل تحصيل مستحقاتها.
والنتيجة قد لا تقتصر على انخفاض الأرباح، بل تمتد إلى تأجيل التوسعات، وتقليص فرص العمل، وضعف القدرة على المنافسة في الأسواق الخارجية.
ما الذي نحتاج إليه الآن؟
أرى ضرورة التحرك في أربعة اتجاهات:
- استكمال تحديث التصنيفات: مع توضيح القواعد التنفيذية ومواعيد تطبيقها.
- المراجعة الدورية للحدود: بما يراعي التضخم وتغير تكاليف الإنتاج وطبيعة كل قطاع.
- تقييم القدرة المالية الحقيقية: وعدم الاعتماد على حجم المبيعات وحده، بل النظر أيضًا إلى التدفقات النقدية وهوامش الربح والقدرة على السداد.
- التنسيق بين الجهات المعنية والبنوك: لضمان انعكاس التعديلات التشريعية على معايير الأهلية للتمويل، وفقًا للقواعد المنظمة لكل مبادرة.
ضعف مساهمة المشروعات الصغيرة في الصادرات.. فرصة لم نستغلها بالكامل
رغم ما تمتلكه المشروعات الصغيرة من قدرات إنتاجية وفرص واعدة، فإن مساهمتها في الصادرات المصرية لا تزال بحاجة إلى مزيد من النمو والتوسع. ولا يرتبط ذلك بالقدرة على التصنيع وحدها، بل أيضًا بصعوبة الوصول إلى التمويل، وتكاليف الالتزام بالمعايير الدولية، ومتطلبات التعبئة والشحن، وطول دورة التحصيل من الأسواق الخارجية.
فالمصنع الصغير قد يمتلك منتجًا قادرًا على المنافسة، لكنه لا يستطيع تنفيذ طلبية تصديرية كبيرة بسبب نقص السيولة اللازمة لشراء الخامات وتمويل الإنتاج قبل تحصيل قيمة الشحنة.
لذلك، أقترح دراسة إطلاق برنامج تمويلي متكامل للمصدرين الصغار بالتعاون بين البنك المركزي والبنوك والجهات المعنية بتنمية الصادرات، يقوم على تمويل ما قبل الشحن وما بعده، وتوفير ضمانات ائتمانية مناسبة، ودراسة آليات لتخفيف تكلفة التمويل، إلى جانب إجراءات مبسطة وفترات سماح تتناسب مع دورة التصدير.
ويجب ألا تعتمد أهلية هذه البرامج على حجم المبيعات وحده، بل تراعي قيمة العقود التصديرية، والتدفقات النقدية، والقدرة على السداد، وسجل الشركة في تنفيذ التزاماتها.
كما ينبغي ربط التمويل ببرامج فنية تساعد المشروعات الصغيرة على الحصول على الشهادات المطلوبة، وتحسين جودة المنتجات، والتسويق في الأسواق الخارجية؛ لأن التمويل وحده لا يكفي من دون القدرة على المنافسة والاستمرار.
دعم المصدر الصغير اليوم قد يصنع مصدرًا كبيرًا غدًا. وزيادة مساهمة هذه المشروعات في الصادرات تعني فرص عمل جديدة، وقاعدة إنتاجية أوسع، ومشاركة أكبر للمصانع المصرية في سلاسل الإمداد العالمية.
دعم الصناعة استثمار في الاقتصاد كله
الصناعة لا تحتاج فقط إلى خطوط إنتاج حديثة وأسواق جديدة، بل تحتاج إلى منظومة تمويل تواكب الواقع الاقتصادي وتدعم نمو الشركات القادرة على الإنتاج والتصدير.
المطلوب ليس منح التمويل دون ضوابط، بل توفير التمويل المناسب للمشروع المؤهل، وفقًا لحجمه الحقيقي واحتياجاته وقدرته على السداد.
فنجاح سياسات دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة لا يُقاس بعدد المبادرات المعلنة، بل بقدرة المصانع على الاستفادة منها، والتوسع، وخلق فرص العمل، وزيادة الصادرات المصرية.
مهندس محمود غزال رئيس مجلس اداره مجموعة MGS للصناعه
#الصناعة #التمويل #المشروعات_الصغيرة_والمتوسطة #التصدير #استثمار #مصر #Egypt



