التدوير وحده لا يحل الأزمة.. الكلفة الخفية للبلاستيك في شمال أفريقيا

- تقديرات “غرينبيس” تضع الكلفة السنوية بين 1.7 و5.5 مليار دولار، لكنها تستبعد البحر الأحمر والأطلسي وأضراراً مباشرة أخرى
- في المغرب، 73% من البلاستيك الذي يُجمع لا يعاد تدويره، بينما تتسع فجوة الجمع بين المدن والريف في مصر
- تونس تملك 150 وحدة إعادة تدوير معتمدة، لكن نحو 57% من طاقتها المعتمدة لا تزال معطلة
- منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تتوقع زيادة استخدام البلاستيك عالمياً 70% بحلول 2040 إذا استمرت السياسات الحالية
قد تصل الكلفة الاقتصادية المرتبطة بالتلوث البلاستيكي البحري في مصر والمغرب وتونس إلى 5.5 مليار دولار سنوياً. لكن حتى هذا الرقم ليس قياساً مباشراً للفاتورة الفعلية، حيث يرى خبراء تحدثوا إلى “الشرق بلومبرغ” أن أضراراً صحية وبيئية واقتصادية يصعب قياسها بصورة منفصلة قد تجعل الكلفة أوسع مما تظهره التقديرات الحالية.
تكشف المقابلات مع متخصصين في مصر والمغرب ولبنان جوانب من الكلفة التي يصعب تحويلها إلى أرقام مالية مباشرة، بالتوازي مع مفارقة أخرى، فارتفاع معدل جمع النفايات أو توافر قدرات لإعادة التدوير قد لا يعني بالضرورة قدرة منظومة إدارة النفايات على استيعاب النمو في استخدام البلاستيك.
يقول مصطفى رعد، وهو صحفي متخصص في القضايا البيئية، إن جانباً مهماً من كلفة التلوث البلاستيكي يقع في منطقة يصعب على أدوات التقييم المالي التقليدية قياسها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالآثار الصحية طويلة الأجل وتدهور الخدمات التي تقدمها النظم البيئية الساحلية.
ويُشير إلى أن منتجات بلاستيكية تحتوي على مواد كيميائية مضافة مثل “الفثالات” و”البيسفينول”، وأن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة يمكن أن تحمل ملوثات أخرى وتدخل السلسلة الغذائية. ويرى أن المشكلة الاقتصادية تظهر عندما تتحول آثار التعرض طويل الأجل إلى أعباء صحية يصعب لاحقاً فصلها وربطها محاسبياً بالبلاستيك كمصدر محدد.
تُعزّز دراسات حديثة المخاوف المرتبطة بالتعرض البشري، بعدما رُصدت الجسيمات البلاستيكية الدقيقة والنانوية في عدد من أنسجة وأعضاء الجسم، بينها الدم والرئتان والأوعية الدموية والدماغ. إلا أن الباحثين يشددون على أن وجود هذه الجسيمات لا يثبت بحد ذاته أنها تسبب آثاراً صحية محددة، فيما لا تزال العلاقة السببية قيد الدراسة، وهو ما يعكس صعوبة تقدير جانب من الكلفة الصحية المحتملة للتلوث البلاستيكي.
الوقت ينفد.. جبال العالم تتحول إلى قنابل موقوتة
ما الذي لا تقيسه الأرقام؟
تقدر دراسة “غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” الكلفة الاقتصادية الحالية المرتبطة بالتلوث البلاستيكي البحري في الدول الثلاث بما بين 1.7 و5.5 مليار دولار سنوياً، فيما تحذر من أن استمرار المسار الحالي قد يراكم أضراراً تتراوح بين 30 و98 مليار دولار حتى 2040.
لكن الرقم الأول ليس خسائر مالية ظهرت بالفعل في موازنات الحكومات أو الناتج المحلي، وإنما تقدير نموذجي يعتمد على كميات البلاستيك المتسربة إلى البحر وتقديرات منشورة لقيمة الضرر الاقتصادي المرتبط بها.
وفي هذا السياق، قالت فرح الحطاب، مسؤولة حملة البلاستيك في “غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، إن نطاق 1.7 إلى 5.5 مليار دولار “ليس قياساً مباشراً للخسائر المالية الفعلية”.
تركيا: أسواق الكربون ستحتل “مكانتها المستحقة” في “كوب 31”
كما أن نطاق الحساب نفسه محدود، إذ يقتصر على البحر المتوسط، ما يستبعد الساحل المصري المطل على البحر الأحمر والساحل المغربي على المحيط الأطلسي، ولا يحسب بصورة منفصلة خسائر مباشرة محتملة في السياحة والصيد والنقل البحري والصحة.
هذه الفجوة تدفع وفيق نصير، عضو البرلمان العالمي للبيئة، إلى اعتبار تقديرات “غرينبيس” بمثابة “الحد الأدنى” للكلفة. ويرى أن الوصول إلى صورة أدق يتطلب ربط البيانات البيئية بأرقام الإنفاق على تطهير الترع والمصارف وخسائر الأنشطة البحرية والتكاليف الصحية المرتبطة بالنفايات.
وفي المغرب، تظهر المشكلة من زاوية أخرى. إذ يقول سعيد أبرابري، عضو “المجلس الوطني لجمعية مدرسي علوم الحياة والأرض” وعضو “الائتلاف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة”، إن البلاد تمتلك بيانات عن النفايات البحرية والشواطئ وقطاعي الصيد والسياحة، لكن التحدي يكمن في ربط المعطيات البيئية بالاقتصادية، مثل كلفة تنظيف الشواطئ والأضرار التي تلحق بقطاع الصيد وتأثير التلوث على النشاط السياحي.
من جهته، يرى رعد أن الكلفة تمتد أيضاً إلى تدهور خدمات النظم الساحلية، بما فيها الأعشاب البحرية والرواسب والمصائد الطبيعية، ما قد ينعكس على إنتاجية الصيد والحماية الطبيعية للشواطئ، وهي آثار يصعب تحويلها إلى خسائر مالية تنسب مباشرة إلى البلاستيك.
الجمع لا يعني التدوير
حتّى قبل الوصول إلى هذه الكلفة، تواجه الدول الثلاث مشكلة أبسط، وهي أن ما يجري جمعه لا يجد بالضرورة طريقه إلى إعادة التدوير.
وتظهر الفجوة في مصر منذ بداية السلسلة، إذ يقدر التقرير إجمالي النفايات عبر مختلف التدفقات بنحو 100 مليون طن سنوياً، ضمنها ما بين 3.6 و5.4 مليون طن من النفايات البلاستيكية البلدية. وتصل خدمات الجمع إلى نحو 85% من سكان المدن، مقابل 35% فقط في الريف، فيما ينتهي 80% إلى 88% من النفايات البلدية في مكبات مفتوحة.
وتأتي هذه الكميات في سوق محلية واسعة للبلاستيك، تضم 8 منتجين للبتروكيماويات بطاقة تقارب مليوني طن، ونحو 5220 مصنعاً للمنتجات أحادية الاستخدام، إلى جانب نحو 1510 جهة تنشط في إعادة التدوير، 70% منها تعمل ضمن القطاع غير الرسمي. وفي المقابل، تمتلك مصر بالفعل قانوناً لإدارة النفايات واستراتيجية للبلاستيك أحادي الاستخدام وتدبيراً لمسؤولية المنتج يغطي أكياس التسوق.
دراسة: تكدس البلاستيك حول العالم يتجه لكارثة بحلول 2040
لذلك يرى نصير أن المشكلة لا تكمن في غياب التشريعات بقدر ما ترتبط بفجوة التنفيذ ونمو استخدام البلاستيك بوتيرة أسرع من قدرة منظومة إعادة التدوير على استيعابه، داعياً إلى توسيع تطبيق “مسؤولية المنتج الممتدة”، بحيث يساهم المنتجون في تمويل جمع المنتجات وإعادة تدويرها بعد استخدامها.
أما في المغرب، فتظهر الفجوة بصورة أكبر بعد مرحلة الجمع. فالبلاد تنتج نحو 3.97 مليون طن من النفايات البلدية سنوياً، بينها 422 ألف طن من البلاستيك، يدار نحو 250 ألف طن منها بصورة غير سليمة ويصل نحو 75 ألف طن إلى البحر.
وعلى الرغم من وصول تغطية جمع النفايات في المدن إلى نحو 96% في 2019، فإن 73% من البلاستيك الذي يُجمع لا يعاد تدويره، ومن أصل 26 مركز فرز مخططاً لها، بُنيت تسعة فقط ولا يعمل منها سوى ثلاثة.
يفسر أبرابري جانباً من هذه الفجوة بأن ارتفاع معدل الجمع لا يعني نجاح التثمين، إذ تصل النفايات البلاستيكية في كثير من الأحيان مختلطة بالنفايات العضوية وباقي المخلفات، ما يخفض قيمتها ويرفع كلفة فرزها وإعادة تدويرها.
وفي تونس، يبلغ حجم النفايات البلدية نحو مليوني طن سنوياً، بينها 188 ألف طن من البلاستيك، يصل نحو 17 ألف طن منها إلى البحر. ولدى البلاد 243 شركة جمع معتمدة و150 وحدة إعادة تدوير معتمدة، لكن نحو 57% من طاقة إعادة التدوير المعتمدة لا تزال معطلة، رغم القيود المفروضة منذ 2020 على الأكياس البلاستيكية أحادية الاستخدام، وفق تقرير “غرينبيس”.
كيف يمكن الخروج من الأزمة؟
بالنسبة إلى رعد، يظل تحسين الجمع والتدوير ضرورياً، لكنه لا يكفي إذا استمر حجم البلاستيك الداخل إلى السوق في الارتفاع. ويقول إن كثيراً من المنتجات البلاستيكية، ولا سيما المركبة وأحادية الاستخدام، لا تدخل في دورة تدوير مغلقة، بل تفقد جودتها أو تصبح إعادة تدويرها غير مجدية تقنياً واقتصادياً بعد عدد محدود من الاستخدامات.
لذلك يرى أن الحل يبدأ قبل مرحلة النفايات، من خلال خفض الاعتماد على البوليمرات البكر والمواد غير الضرورية، وتوسيع أنظمة الإيداع والاسترداد وإعادة التعبئة، بدلاً من ترك الجزء الأكبر من الكلفة للبلديات والدول بعد وصول المنتج إلى نهاية عمره.
تتقاطع هذه الرؤية مع تقدير الحطاب بأن جهود مصر والمغرب وتونس “وفق وتيرتها وحجمها الحاليين، لا تزال غير كافية لمجاراة الزيادة في إنتاج النفايات واستخدام البلاستيك”.
السلاحف البحرية ليست الضحية الوحيدة للبلاستيك
ويقدّر النموذج الذي يستند إليه تقرير “غرينبيس” أن مجرد تثبيت التسرب عند مستويات 2018 يتطلب خفض كمية النفايات التي لا تدار بصورة سليمة في حوض المتوسط بنحو 1.7% سنوياً.
تتجاوز المشكلة الدول الثلاث. فالبلاستيك يشكل نحو 12% من إجمالي النفايات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث يقدر البنك الدولي إنتاج أكثر من 155 مليون طن من النفايات سنوياً، مرشحة للارتفاع إلى 294 مليون طن بحلول 2050. ويُساء التعامل مع نحو 67% منها، فيما يعاد تدوير أو استخدام أو تسميد أقل من 10%، ويقدر البنك الأضرار البيئية الناجمة عن سوء إدارة النفايات في المنطقة بنحو 7.2 مليار دولار سنوياً.
كما أن الضغط مرشح للزيادة، إذ تتوقع “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” ارتفاع إنتاج واستخدام البلاستيك عالمياً بنحو 70% بين 2020 و2040 في حال استمرار السياسات الحالية، فيما تقول إن التحسن المتوقع في إدارة النفايات لن يواكب نمو النفايات البلاستيكية.
وعلى مدى أبعد، تتوقع المنظمة ارتفاع تسرب البلاستيك إلى البيئة من نحو 22 مليون طن في 2019 إلى 44 مليون طن في 2060 وفق سيناريو استمرار السياسات الحالية، مع نطاق يتراوح بين 34 و55 مليون طن بسبب عدم اليقين المحيط بالتوقعات طويلة الأجل.



