50 فرصة صناعية.. خريطة جديدة للاستثمار الأوروبي في مصر

فتحت دراسة حديثة بابا جديدا أمام ملف الاستثمارات الأوروبية في مصر، بعدما حددت 50 منتجا وصناعة ترى أنها الأكثر جاهزية لاستقطاب استثمارات أوروبية، ضمن توجه أوسع لتقصير سلاسل الإمداد ونقل جزء من التصنيع إلى دول أقرب جغرافيا من أوروبا.
الدراسة، التي أعدها المركز المصري للدراسات الاقتصادية بتمويل من الاتحاد الأوروبي، لم تكتف بتحديد قطاعات عامة، بل حللت 1058 منتجًا قبل الوصول إلى قائمة تضم 50 منتجًا تمتلك مصر فيها فرصة أكبر لجذب استثمارات جديدة وتعميق التصنيع المحلي وزيادة الصادرات إلى أوروبا.
وتشمل القطاعات التي برزت في الدراسة الآلات والمعدات الكهربائية، والآلات الميكانيكية، والحديد والصلب، والنحاس، والألومنيوم، والمطاط، والكيماويات، والبلاستيك، والزجاج، والمنسوجات، إلى جانب منتجات أكثر تحديدًا مثل معدات التكييف، والأفران الصناعية، وأجهزة الطرد المركزي، ومعدات الرفع، والمحولات الكهربائية.
وتكتسب هذه الخريطة أهمية خاصة في وقت تعيد فيه الشركات الأوروبية النظر في مواقع الإنتاج وسلاسل التوريد بعد سلسلة من الأزمات العالمية، بداية من جائحة كورونا واضطرابات الشحن، وصولًا إلى التوترات الجيوسياسية وارتفاع تكلفة النقل والطاقة.
ويقوم هذا التوجه على ما يعرف بـ”التصنيع القريب” أو Nearshoring، أي نقل جزء من العمليات الإنتاجية إلى دول قريبة من السوق الرئيسية بدلًا من الاعتماد الكامل على سلاسل توريد طويلة تمتد إلى شرق آسيا.
وبالنسبة لمصر، تمثل هذه التحولات فرصة محتملة للاستفادة من القرب الجغرافي من أوروبا، وموقعها على البحرين المتوسط والأحمر، وقناة السويس، وشبكة الاتفاقيات التجارية، إلى جانب انخفاض تكلفة العمالة مقارنة بعدد كبير من الأسواق الأوروبيةـ لكن الدراسة تضع حدودًا واضحة لفكرة أن الموقع الجغرافي وحده يكفي لجذب المصانع.
وقالت الدكتورة عبلة عبداللطيف، المدير التنفيذي ومدير البحوث بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية، إن أهمية الدراسة تكمن في الانتقال من الحديث العام عن “قطاعات واعدة” إلى تحديد منتجات بعينها يمكن البناء حولها سياسات استثمار وتصنيع وتصدير أكثر دقة.
ويعني ذلك أن المستثمر الأوروبي لن يدخل السوق المصرية فقط لأنه يبحث عن موقع قريب، وإنما لأنه يجد منتجًا يمكن تصنيعه محليًا بكفاءة، وسلسلة توريد قابلة للتطوير، وطلبًا تصديريًا قائمًا، وقواعد تشغيل تسمح له بالتوسع على المدى الطويل.
وتشير دراسة أخرى أعدتها الباحثتان سحر عبود وراما سعيد بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية إلى أن اختيار المنتجات الأكثر جاذبية لا يعتمد على عامل واحد، بل على مجموعة من المؤشرات تشمل القدرة التنافسية للصادرات، وديناميكية التصدير، والجاذبية الاستثمارية، وتعقيد المنتج، ومستوى ارتباطه بالتحول الصناعي الأخضر.
وتظهر هذه المؤشرات أن بعض الفرص الأقوى لمصر لا تتركز فقط في الصناعات كثيفة العمالة، مثل المنسوجات والملابس، وإنما تمتد أيضًا إلى الصناعات الهندسية والكهربائية ومكونات الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية والمواد المتقدمة.
وفي المقابل، لا تزال حصة مصر من الاستثمارات الأوروبية أقل كثيرًا من حجم الإمكانات المتاحة. وقال نائب رئيس اتحاد الصناعات المصرية، المهندس طارق توفيق، لـ “العين الإخبارية” إن مصر تحصل على أقل من 0.5% من إجمالي الاستثمارات الخارجية للاتحاد الأوروبي، رغم امتلاكها عددًا من عوامل الجذب، من بينها الموقع الجغرافي واتفاقيات التجارة وتوافر العمالة والطاقة.
ويرى توفيق أن المشكلة لا ترتبط فقط بالحوافز الاستثمارية، وإنما تمتد إلى الصورة الذهنية لدى بعض الشركات الأوروبية، خاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب ملفات مثل الضرائب والتراخيص وتخصيص الأراضي وسرعة الإجراءات.
أما عمر مهنا، رئيس مجلس إدارة المركز المصري للدراسات الاقتصادية، فيضع عاملًا آخر في مقدمة أولويات المستثمر الأوروبي، وهو القدرة على التنبؤ بالقواعد التي تحكم السوق.
ويرى مهنا أن المستثمر لا يبحث فقط عن إعفاءات أو تكلفة إنتاج منخفضة، بل يريد بيئة مستقرة، وقواعد منافسة واضحة، وتكافؤ فرص بين مختلف أطراف السوق، وسياسات لا تتغير بشكل مفاجئ أثناء دورة الاستثمار.
وتأتي هذه الطروحات بينما تحتفظ أوروبا بموقعها كأحد أهم الشركاء الاقتصاديين لمصر.
وبلغ حجم تجارة السلع بين مصر والاتحاد الأوروبي نحو 32.3 مليار يورو خلال 2025، بينما سجلت الصادرات المصرية إلى الاتحاد نحو 12.3 مليار يورو، وتصدرت الوقود والمنتجات التعدينية والكيماويات والمنتجات الزراعية قائمة أهم الصادرات.
وفي الاتجاه الآخر، بلغت صادرات الاتحاد الأوروبي إلى مصر نحو 20 مليار يورو، وكان الجزء الأكبر منها من الآلات ومعدات النقل والمنتجات الكيماوية.
وتكشف هذه الأرقام عن زاوية لافتة في الدراسة فعدد من المنتجات التي تستوردها مصر حاليًا من أوروبا، خاصة الآلات والمعدات، هي نفسها من بين الصناعات المرشحة لجذب استثمارات أوروبية لإنتاجها محليًا، ما يؤكد وجود فرصة “التصنيع القريب”، إذ لا يشترط أن تنقل شركة أوروبية مصنعًا كاملًا من دولة أوروبية إلى مصر، بل قد تبدأ العملية بنقل مرحلة محددة من التصنيع، أو إنشاء مصنع لمكونات وسيطة، أو استخدام مصر قاعدة إنتاج لإعادة التصدير إلى أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط.
وتدعم هذه الفكرة قاعدة استثمار أوروبية موجودة بالفعل، إذ يبلغ رصيد الاستثمارات الأوروبية المباشرة في مصر عشرات المليارات من اليورو، كما يستهدف الاتحاد الأوروبي تعبئة استثمارات إضافية من خلال آليات ضمان وتمويل تصل إلى 5 مليارات يورو بحلول 2027.
وترى رئيسة قسم التجارة والعلوم والمؤسسات بوفد الاتحاد الأوروبي في مصر، بياتريس كناستر، أن المرحلة المقبلة من التعاون بين القاهرة وبروكسل ستمنح أهمية أكبر للتصنيع، والسلع الوسيطة، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، وربط الصناعة المصرية بشكل أعمق بسلاسل القيمة الأوروبية، وفقا لتصريحات لوسائل إعلام محلية.



