تكلفة الطاقة.. معركة أوروبا الاقتصادية الجديدة

تواجه أوروبا معركة اقتصادية واستراتيجية جديدة في قطاع الطاقة، فبعد أن نجحت القارة في خفض اعتمادها بصورة كبيرة على إمدادات الطاقة الروسية منذ أزمة عام 2022، برز تحدٍ آخر قد يكون أكثر خطورة على المدى الطويل.
يتمثل هذا التحدي في استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، بما يضعف القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية ويهدد النمو الاقتصادي المستقبلي.
ووفقا لتقرير نشره موقع “مودرن دبلوماسي”، فقد أعادت التطورات الدولية إلى الواجهة هشاشة منظومة الطاقة الأوروبية أمام اضطرابات أسواق الوقود التقليدي العالمية، رغم الاستثمارات الضخمة التي نفذتها الدول الأوروبية في البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال، وتخزين الغاز، وتنويع مصادر واردات الطاقة.
ورغم أن أوروبا تجنبت حتى الآن تكرار صدمة الطاقة الحادة التي أعقبت الحرب في أوكرانيا، فإن تصاعد المخاطر الجيوسياسية يكشف استمرار نقاط الضعف الهيكلية في نظام الطاقة بالقارة.
وطالما ظلت أسعار الوقود التقليدي المستورد تؤثر بصورة مباشرة في أسعار الكهرباء، فإن أي أزمة جيوسياسية جديدة يمكن أن تتحول سريعًا إلى ارتفاع في تكاليف الإنتاج بالنسبة للشركات وزيادة في فواتير الطاقة للأسر.
أسعار الطاقة تثقل كاهل الصناعة الأوروبية
وتسببت هذه التكاليف المرتفعة بالفعل في تداعيات اقتصادية ملموسة. فقدت أوروبا أكثر من مليون وظيفة صناعية خلال الفترة بين عامي 2019 و2023، في ظل التأثير المشترك للتضخم، واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وتصاعد المنافسة الصينية، وارتفاع تكاليف الطاقة.
وفي ألمانيا، التي تمثل تقليديًا القوة الصناعية الأكبر في أوروبا، فُقدت 143 ألف وظيفة أخرى في قطاع التصنيع خلال عام 2025 وحده، وفقًا للبيانات الواردة في التقرير.
وأصبحت أسعار الكهرباء المرتفعة عاملًا يضعف قدرة المصنعين الأوروبيين على المنافسة أمام الشركات في مناطق أخرى تتمتع بتكاليف طاقة أقل بكثير، ما يزيد المخاوف من تسارع ظاهرة تراجع التصنيع في القارة.
ووفقاً للتقرير، فقد انخفضت أسعار الغاز والكهرباء الأوروبية بصورة كبيرة عن مستويات الذروة التي سجلتها في عام 2022، لكنها ظلت بنهاية 2025 أعلى بكثير من مستويات ما قبل الحرب. فقد كانت أسعار الغاز أعلى بنحو 50% من مستوياتها السابقة للصراع في أوكرانيا، بينما ظلت أسعار الكهرباء أعلى بنحو 38% من متوسطاتها التاريخية.
الطاقة قضية أمن قومي
وبحسب مؤشر مخاطر أمن الطاقة والمناخ لعام 2026، الذي أعده مركز دراسة الديمقراطية، لا تزال الدول الأكثر اعتمادًا على الوقود التقليدي، ومن بينها بولندا وبلغاريا ورومانيا واليونان، تواجه تكاليف طاقة مرتفعة بصورة هيكلية، ما يضر بقدرتها على المنافسة الصناعية.
في المقابل، نجحت دول مثل السويد وفنلندا وفرنسا في بناء أنظمة طاقة أكثر قدرة على الصمود من خلال الجمع بين الطاقة المتجددة ومصادر مستقرة منخفضة الكربون، مثل الطاقة النووية والطاقة الكهرومائية.
وخلال الاضطرابات التي شهدتها شحنات الغاز الطبيعي المسال، ظلت أسعار الكهرباء بالجملة في ألمانيا أعلى بصورة ملحوظة من مستوياتها في فنلندا والسويد وفرنسا، وهو فارق يعكس اعتماد بعض أنظمة الكهرباء بدرجة أكبر على الغاز الطبيعي في تحديد أسعار السوق.
وتشير هذه التجارب إلى أن مرونة الطاقة الأوروبية ستعتمد بصورة متزايدة على مزيج متوازن من مصادر الطاقة المتجددة ومصادر الكهرباء الموثوقة منخفضة الكربون، بدلًا من الاعتماد على تكنولوجيا واحدة.
وتشير تقييمات حديثة إلى أن القدرة على توفير الطاقة بأسعار معقولة تجاوزت أمن الإمدادات لتصبح مصدر القلق الرئيسي لأوروبا في مجال الطاقة.
توسع الطاقة المتجددة يفرض تحديات جديدة
لكن الدمج السريع لمصادر الطاقة المتجددة المتقطعة زاد الضغوط على شبكات الكهرباء، وقدرات التخزين، والبنية التحتية لنقل الطاقة. وأظهر انقطاع الكهرباء الذي شهدته شبه الجزيرة الإيبيرية العام الماضي أن التوسع في الطاقة المتجددة وحده لا يضمن أمن الطاقة، ما لم يترافق مع استثمارات موازية في تحديث الشبكات وتوفير قدرات توليد احتياطية.
وفي الوقت نفسه، لا تزال مشروعات الطاقة النووية تواجه إجراءات موافقة طويلة، وصعوبات في التمويل، وتباينًا تنظيميًا بين الدول، وقيودًا في سلاسل الإمداد، وهي عوامل تؤخر تنفيذ المشروعات. ويرى خبراء أن زيادة التنسيق الأوروبي يمكن أن تسرع نشر هذه المشروعات عبر توحيد إجراءات الموافقات ونماذج التمويل وممارسات البناء بين الدول الأعضاء.
وشهد قطاع الطاقة المتجددة في أوروبا توسعًا سريعًا خلال السنوات الأخيرة، إذ تضاعفت قدرات الطاقة الشمسية في عدد من دول وسط وشرق أوروبا، بينما توسعت قدرات تخزين البطاريات بصورة كبيرة في أنحاء الاتحاد الأوروبي.
الذكاء الاصطناعي يرفع أهمية معركة الطاقة
وتحتاج هذه القطاعات إلى كهرباء موثوقة ومنخفضة التكلفة ومنخفضة الكربون للحفاظ على قدرتها على المنافسة عالميًا. وفي الوقت ذاته، لا تزال أوروبا تعتمد بدرجة كبيرة على التصنيع الصيني في البطاريات وأشباه الموصلات والمعادن الحيوية وتقنيات شبكات الكهرباء، ما يعني أن عدم تنويع سلاسل الإمداد قد يدفع القارة إلى استبدال تبعية استراتيجية بأخرى.
وبالتالي، أصبح توفير كميات كافية من الكهرباء مرتبطًا بشكل وثيق بطموحات أوروبا في تحقيق الريادة التكنولوجية والسيادة الاقتصادية.
ولم تعد أزمة الطاقة الأوروبية مقتصرة على الصناعات التقليدية، إذ يؤدي الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي، وتصنيع أشباه الموصلات المتقدمة، ومراكز البيانات إلى زيادة هائلة في الطلب على الكهرباء.
سباق اقتصادي وجيوسياسي
لم تعد عملية تحول الطاقة والأوروبية مدفوعة بأهداف المناخ وحدها، بل تحولت إلى منافسة استراتيجية حول القدرة الصناعية والمرونة الاقتصادية والريادة التكنولوجية.
ورغم نجاح أوروبا في تقليص اعتمادها على الطاقة الروسية، فإن ارتفاع أسعار الكهرباء لا يزال يستنزف قوة قطاع التصنيع ويقلل جاذبية القارة للاستثمارات. كما يتجاوز النقاش الأوروبي الآن المفاضلة التقليدية بين الطاقة النووية والمتجددة، إذ تشير التجارب إلى أن الدول التي تجمع بين مصادر متعددة منخفضة الكربون وبنية تحتية قوية للشبكات تكون أكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات الجيوسياسية.
ومع صعود الذكاء الاصطناعي، تزداد أهمية هذه المعركة؛ فالدول القادرة على توفير كهرباء وفيرة ومنخفضة التكلفة ستكون في وضع أفضل لجذب الصناعات المتقدمة، بينما قد تخسر الدول التي تعاني من ارتفاع أسعار الكهرباء أو عدم موثوقية الإمدادات الاستثمارات والابتكار والنفوذ الاستراتيجي.



