أوروبا بلا أوراق.. من قائد صناعي إلى ساحة غزو اقتصادي

تتصاعد حدة المواجهة التجارية بين الاتحاد الأوروبي والصين ، في ظل موجة من التحذيرات الأوروبية المتصاعدة من الخطر ما بات يُعرف بـ”الصدمة الصينية الثانية”، التي باتت تهدد الصناعة الأوروبية في عقر دارها.
وقد أطلقت كلٌّ من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا نداءات استغاثة تطالب بالتحرك العاجل لوقف هذا الغزو الاقتصادي، مستندةً إلى أرقام صادمة: فالصين وحدها صدّرت إلى الاتحاد الأوروبي ما قيمته 651 مليار دولار من السلع خلال العام الماضي، في مقابل استيرادها 233 مليار دولار فحسب من أوروبا.
وتكشف الأرقام عمق هشاشة المنظومة الصناعية الأوروبية؛ إذ تعتمد القارة العجوز على الصين في تأمين 90 بالمئة من مكوناتها الصناعية والتقنية الحساسة، فضلاً عن أن 98 بالمئة من واردات أوروبا من الألواح الشمسية تأتي من الصين. وزاد على ذلك اقتحام السيارات الكهربائية الصينية لمعاقل صناعة السيارات الأوروبية. والأشد إيلاماً أن القارة خسرت خلال ست سنوات فقط ما يزيد على مليون وظيفة صناعية جراء هذا الغزو، فيما تنزف ألمانيا وحدها نحو عشرة آلاف وظيفة كل شهر.
وفي هذا السياق، يقدّم عمرو عبده، الشريك المؤسس لأكاديمية ماركت تريدر، قراءة تحليلية معمّقة خلال حديثه الى برنامج “بزنس مع لبنى” على سكاي نيوز عربية، كاشفاً عن أبعاد هذه الأزمة الهيكلية في ضوء معادلات القوة الاقتصادية والجيوسياسية المتحولة.
أوروبا بلا أوراق: خسارة الموقع التفاوضي
يرى عبده أن أوروبا وجدت نفسها في موقع “الخاسر الذي ليس لديه أي أوراق في لعبة التجارة العالمية”، مشيراً إلى أن المعادلة تغيّرت جذرياً؛ ففي الماضي كان الاتحاد الأوروبي يقبل العجز التجاري مع الصين لأنه يعوّض ذلك بالوصول إلى السوق الأميركية الضخمة.
بيد أن الولايات المتحدة ذاتها باتت تُمارس ضغوطاً جمركية متصاعدة على الاتحاد الأوروبي، لا سيما في أعقاب الاتفاقيات التجارية الأخيرة. وهكذا تجد أوروبا نفسها محاصرة بين ضغطين متزامنين: الصين من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى.
البُعد الجيوسياسي: متغير جديد يُعقّد المشهد
يُضاف إلى ذلك أن البُعد الجيوسياسي بات عاملاً مستقلاً يُعقّد المعادلة التجارية بصورة متزايدة. يقول عبده إن “الحرب التجارية أصبح فيها طابع جيوسياسي”، بمعنى أن السياسات الصناعية باتت تتشابك مع القرارات السياسية. ونتيجة لذلك، فإن الضغوط الصناعية الأميركية والصينية المتصاعدة ستُلقي بظلالها على التنافسية الأوروبية بصورة أشد مما كانت عليه في أي وقت مضى.
وتتجلى محدودية الخيارات الأوروبية في أرقام دالة يستشهد بها المحلل؛ إذ تستورد أوروبا 80 بالمئة من احتياجاتها للبنية التحتية الرقمية من الصين والولايات المتحدة معاً، كما تعتمد على الصين في توفير 90 بالمئة من المكونات الضرورية لمسيرة التحول في قطاع الطاقة. وفي ضوء محدودية الخيارات الاستراتيجية أمام أوروبا في القطاعات الحيوية كافة، فهي قد ترضى ببعض التنازلات خاصة مع الولايات المتحدة، التي لا تملك أوراقاً بديلة عن التعامل معها.



