ما سر النمو الاستثنائي للتجارة الخارجية الإماراتية؟

سجلت دولة الإمارات إنجازاً تاريخياً بدخولها قائمة أكبر عشر دول مصدّرة للسلع في العالم للمرة الأولى، محتلة المرتبة التاسعة عالمياً وفقاً لتقرير “آفاق وإحصاءات التجارة العالمية” الصادر عن منظمة التجارة العالمية. وتعكس الأرقام المسجلة في عام 2025 ريادة اقتصادية مستقرة، حيث بلغ إجمالي التجارة الخارجية 6 تريليونات درهم، محققاً نمواً بنسبة 15بالمئة مقارنة بالعام السابق.
هذا الصعود السريع، الذي نقل الدولة من المرتبة السابعة عشرة إلى التاسعة في غضون خمس سنوات فقط، يضع آليات النمو الاقتصادي الإماراتي تحت مجهر التحليل الدولي، فكيف اخترقت الإمارات نادي العشرة الكبار في تجارة السلع؟ وما هو سر النمو الاستثنائي للتجارة الخارجية الإماراتية في ظل التباطؤ العالمي؟ وكيف استطاعت الدولة قيادة التعافي التجاري بنمو قياسي في صادراتها؟ وهل يمثل نجاح السياسات الاقتصادية المنفتحة المحرك الأساسي الذي وضع الإمارات في قلب هذا النادي العالمي المرموق؟
ويرى خبراء اقتصاد في تصريحات خاصة لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، أن هذا الإنجاز يمثل محوراً أساسياً في التاريخ الاقتصادي الإماراتي، حيث أكد الخبير الاقتصادي الدكتور خالد الشافعي أن دخول نادي العشرة الكبار جاء نتيجة قدرة الدولة على مجابهة التحديات العالمية وامتلاكها رؤية استباقية مكنتها من التخطيط الدقيق لقطاعات محورية كاللوجستيات والتقنية، فيما أوضح الخبير الاقتصادي حسين القمزي أن سر هذا النمو الاستثنائي يكمن في إعادة تموضع الإمارات لتكون إحدى المنصات الرئيسية لإدارة تدفقات التجارة العالمية، مستفيدة من بنيتها التحتية المتطورة واتفاقيات الشراكة الشاملة.
الإمارات.. صمود في وجه الاعتداءات الإيرانية
قفزة تاريخية ونمو قياسي
أظهر تقرير “آفاق وإحصاءات التجارة العالمية”، الصادر عن منظمة التجارة العالمية، دخول دولة الإمارات للمرة الأولى في تاريخها قائمة العشرة الكبار عالمياً في صادرات السلع، حيث احتلت المرتبة التاسعة بين أكبر الدول المصدرة للسلع على مستوى العالم.
كما أشار التقرير إلى نمو استثنائي في التجارة الخارجية الإجمالية للدولة (سلع وخدمات)، حيث سجلت 6 تريليونات درهم (1.63 تريليون دولار) في عام 2025، مقارنة بـ 5.23 تريليون درهم (1.42 تريليون دولار) في عام 2024، محققةً نسبة نمو ناهزت 15 بالمئة.
ووفقاً لبيانات المنظمة، توزعت أرقام التجارة الخارجية الإماراتية لعام 2025 على النحو التالي:
- التجارة السلعية: بلغت قيمتها 4.9 تريليون درهم، حيث شكلت الصادرات السلعية 53 بالمئة من إجمالي التجارة السلعية مع العالم.
- تجارة الخدمات: سجلت رقماً تاريخياً بلغ 1.14 تريليون درهم، منها 61.4 بالمئةصادرات خدمية إلى الأسواق العالمية.
- الفائض التجاري: حققت الدولة فائضاً في ميزان التجارة السلعية والخدمية بلغ 584.1 مليار درهم في 2025، مسجلةً نمواً بنسبة 19بالمئة في الفائض التجاري خلال عام واحد فقط.
- الخدمات الرقمية: حلّت الإمارات في المرتبة الخامسة والعشرين عالمياً بصادرات بلغت 33 مليار دولار، ما يمثل 17بالمئة من إجمالي صادرات الإمارات الخدمية.
الحصة السوقية والمكانة العالمية
وأكد التقرير أن الإمارات باتت تساهم بنسبة 3.3 بالمئة من صادرات السلع العالمية، و2.8 بالمئة من واردات العالم السلعية. أما في قطاع الخدمات، فقد بلغت مساهمتها 2 بالمئة من صادرات الخدمات العالمية و1.4بالمئة من وارداتها. ومن الناحية الاستراتيجية، رصد التقرير ارتقاء الدولة من المرتبة السابعة عشرة إلى المرتبة التاسعة عالمياً في صادرات السلع خلال أقل من خمس سنوات، مع الحفاظ على ريادتها كأول دولة في الشرق الأوسط وأفريقيا في التجارة العالمية منذ عام 2014.
وأوضح الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، وزير التجارة الخارجية، أن هذه النتائج ثمرة للسياسات الاقتصادية المنفتحة وتوسيع شبكة الشركاء التجاريين عبر اتفاقيات نوعية مع الأسواق العالمية.
وأشار إلى أن القطاعات الخدمية (المالية، اللوجستية، والتقنية) شهدت نمواً تراوح بين 9 بالمئة و14بالمئة، مؤكداً استمرار العمل على تطوير المنظومة التشريعية لتعزيز تنافسية المنتجات الوطنية وضمان استدامة النمو.
توقعات آفاق التجارة العالمية
وتناول تقرير منظمة التجارة العالمية التحديات المستقبلية، حيث توقع تباطؤ نمو تجارة السلع عالمياً إلى 1.9 بالمئة في عام 2026 نتيجة التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة، قبل أن يعاود الصعود إلى 2.6 بالمئة في 2027. وفي مقابل هذا التباطؤ، برزت الإمارات كدولة ذات سياسة مرنة قادرة على التكيف مع المتغيرات، حيث واصلت تجارتها الخارجية مساراً صاعداً يخالف الاتجاه العالمي المتباطئ.
في حديثه لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” يرى الخيير الاقتصادي حسين القمزي أن سر النمو الاستثنائي للتجارة الخارجية الإماراتية لا يكمن في حجم الإنتاج، بل في القدرة على التحكم في حركة التجارة نفسها. وقال : “فالدولة لم تكتفِ بالمشاركة في العولمة، بل أعادت تموضعها لتكون إحدى منصاتها الرئيسية، وهو ما يفسر قدرتها على تحقيق نمو تجاري يفوق المتوسط العالمي حتى في فترات التباطؤ”.
وأوضح أن دخول الإمارات إلى قائمة أكبر عشر دول في تجارة السلع العالمية يعكس تحوّلاً هيكلياً في نموذجها الاقتصادي خلال العقدين الماضيين. إذ ارتفع إجمالي التجارة الخارجية للدولة من نحو 949 مليار دولار في عام 2021 إلى ما يقارب 1.6 تريليون دولار بحلول 2025، ما وضعها في المرتبة التاسعة عالمياً في صادرات السلع، وهو إنجاز لاقتصاد لا يُصنّف تقليدياً ضمن كبار المنتجين الصناعيين.



