” د أسامة شاهين ” الاقتصاد المصري بين الرؤية والتنفيذ: كيف تتحول الثقة إلى إنجاز اقتصادي مستدام؟

في الأيام القليلة الماضية شهدت مصر لحظة انتقالية في سجلها الاقتصادي: رفعت وكالة S&P التصنيف الائتماني السيادي لمصر من «B-» إلى «B»، في قرار وصفه المراقبون بأنه ثمرة إصلاحات هيكلية وسياسات نقدية جديدة أعادت ثقة الأسواق نحو القاهرة. هذا القرار الذي أُعلن في 10 أكتوبر 2025 لم يأتِ بمعزل عن تحولات ملموسة في السياسة الاقتصادية، وأعاد رسم خارطة المخاطر الممكنة أمام المستثمر الأجنبي.
هل يعني رفع التصنيف فتحة سحرية لتدفق رؤوس الأموال؟ الواقع أقرب إلى لوحة معقدة تتداخل فيها الألوان … الرفع يعطي إشارة إيجابية قوية للأسواق والمؤسسات الدولية بأن الحكومة بدأت ضبط أوضاع المالية العامة، وأن سياسة سعر الصرف المرن أعادت جزءًا من القدرة التنافسية للصادرات وسهّلت وصول العملات الصعبة للاستيراد والاستثمار. في تقارير الوكالة نفسها، ذُكر أن مرونة سعر الصرف والسياسات الإصلاحية عزّزتا السياحة وتحسن تدفق التحويلات، ما ساهم في تحسين الأوضاع الخارجية ويجعل مصر بيئة أكثر جاذبية للاستثمارات الأجنبية.
على أرض الواقع، تظهر المؤشرات الخارجية بعض التحوّل: عجز الحساب الجاري تقلّص إلى مستويات أدنى في الربع الأخير، مدفوعًا بارتفاع عوائد السياحة وتدفق التحويلات، وهو ما يخلق رسائل طمأنة للمستثمرين بأن صدمة العملة والميزان الخارجي تُعالج تدريجيًا. لكن التباين واضح أيضاً ، فخلال فترات رصدية شهدت مصر تراجعًا في قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر نتيجة تقلبات مؤقتة أو تسجيل صفقات استثنائية في سنوات سابقة. هذا يعني أن رفع التصنيف يسرّع موجة رد فعل إيجابيّة لكنه لا يلغي الحاجة لجهود ملموسة لجذب مشاريع طويلة الأمد.
من ناحية الاستثمار الأجنبي المباشر، تأثير الرفع يظهر أولًا في خفض تكاليف الاقتراض ورفع ثقة المستثمرين المؤسسيين وصناديق الثروة السيادية في المنطقة. تقارير اقتصادية معاصرة تشير إلى انتعاش الاهتمام الخليجي والأوروبي بمشروعات البنية التحتية والعقارات والطاقة في مصر، خصوصًا بعد تأكيدات عن برامج شراكة واستثمارات كبيرة (بما في ذلك مشاريع عقارية واستثمارات خليجية بارزة). ومع ذلك، يبقى مؤشّر التدفق الفعلي للاستثمار مرتبطًا بالشفافية، استقرار التشريعات، وضمانات عائد القيم للمستثمرين ، كلها أمورٌ لا تُحل بقرار تصنيف وحده بل بسلسلة إجراءات تنفيذية.
أما الصادرات فقد استفادت بصورة غير مباشرة من قرار تحرير سعر الصرف وتحسّن الاحتياطيات؛ إذ جعلت السلع المصرية أكثر تنافسية في الأسواق الخارجية وأعاد انتعاش قطاعات مثل السياحة والصناعات الغذائية والنسيجية. ولكن لرفع سقف الصادرات بصورة دائمة، مطلوب تكامل بين تحسين البنية التحتية للتصدير، تبسيط الإجراءات الجمركية، ودعم سلاسل القيمة المحلية حتى تتمكن الشركات من التوسع نحو أسواق جديدة.
الخلاصة ، ان ترقية التصنيف الائتماني ليست نقطة نهاية بل بداية لمرحلة جديدة من إصدار الثقة. هي عامل محفّز مهم يُيسر شروط التمويل ويجذب الاهتمام الدولي، لكنه وحده لا يكفي لتحويل الاهتمام إلى استثمارات طويلة الأمد وصادرات مستدامة. ما سيحكم مصير التدفقات القادمة هو ثبات الإصلاحات، وضمان بيئة تشريعية واستثمارية واضحة، وقدرة الاقتصاد على تحويل معنويات السوق إلى مشاريع حقيقية تُحدث وظائف ونموًا تصديريًا.



